وكذلك قال أنس وابن عبَّاسٍ: إنَّ عُمَره كلَّها كانت في ذي القعدة، وهذا هو الصَّواب١.
فصل
وأمَّا من قال: اعتمر في شوَّالٍ، فعذره ما رواه مالك في «الموطَّأ»٢ عن هشام بن عروة عن أبيه أنَّ رسول الله ﷺ لم يعتمر إلا ثلاثًا، إحداهنَّ في شوَّالٍ واثنتين في ذي القعدة.
ولكنَّ هذا الحديث مرسلٌ، وهو غلطٌ أيضًا، إمَّا من هشام وإمَّا من عروة، أصابه فيه ما أصاب ابنَ عمر. وقد رواه أبو داود٣ مرفوعًا عن عائشة، وهو غلطٌ أيضًا لا يصحُّ رفعه. قال ابن عبد البرِّ٤: وليس روايته مسندًا ممَّا يذكر عن مالك في صحَّة النَّقل.
قلت: ويدلُّ على بطلانه عن عائشة أنَّ عائشة وابن عبَّاسٍ وأنس بن مالكٍ قالوا: لم يعتمر رسول الله ﷺ إلا في ذي القعدة. وهذا هو الصَّواب، فإنَّ عمرة الحديبية والقضيَّة كانتا في ذي القعدة، وعمرة القِران إنَّما كانت في ذي القعدة، وعمرة الجِعرانة أيضًا كانت في أوَّل ذي القعدة، وإنَّما وقع
(١) بعدها في ص فقط: «والله أعلم».
(٢) برقم (٩٧٢).
(٣) رقم (١٩٩١).
(٤) في «التمهيد» (٢٢/ ٢٨٩)، وفيه بعد ذكر رواية داود بن عبد الرحمن عن هشام مرفوعًا: «ورواه هكذا مسندًا عن هشام: يزيد بن سنان الرُّهاوي ومسلم بن خالد الزنجي، وليس هؤلاء ممن يُذكر مع مالك في صحة النقل».
الاشتباه أنَّه خرج من مكَّة في شوَّالٍ للقاء العدوِّ، وفرغ من عدوِّه، وقسَمَ غنائمهم، ودخل مكَّة ليلًا معتمرًا من الجعرانة، وخرج منها ليلًا، فخفيتْ عمرتُه هذه على كثيرٍ من النَّاس، وكذلك قال مُحرِّش الكعبي١.
فصل
وأمَّا من ظنَّ أنَّه اعتمر من التَّنعيم بعد الحجِّ، فلا أعلم له عذرًا، فإنَّ هذا خلاف المعلوم المستفيض من حجَّته، ولم ينقله أحدٌ قطُّ، ولا قاله إمامٌ، ولعلَّ ظانَّ هذا سمع أنَّه أفرد الحجَّ، ورأى أنَّ كلَّ من أفرد الحجَّ من أهل الآفاق فلا بدَّ له أن يخرج بعده إلى التَّنعيم، نزَّل حجَّة رسول الله ﷺ على ذلك، وهذا عين الغلط.
فصل
وأمَّا من قال: إنَّه لم يعتمر في حجَّته أصلًا، فعذره أنَّه لمَّا سمع أنَّه أفرد الحجَّ، وعلم يقينًا أنَّه لم يعتمر بعد حجَّته= قال: إنَّه لم يعتمر في تلك الحجَّة اكتفاءً منه بالعمرة المتقدِّمة. والأحاديث المستفيضة الصَّحيحة تردُّ قوله، كما تقدَّم من أكثر من عشرين وجهًا. وقد قال: «هذه عمرةٌ استمتعنا بها»٢، وقالت له حفصة: ما شأن النَّاس حلُّوا ولم تحلَّ أنت من عمرتك؟ وقال سُراقة بن مالك: تمتَّع رسول الله ﷺ. وكذلك قال ابن عمر وعائشة وعمران بن حُصينٍ وابن عبَّاسٍ، وصرَّح أنس وابن عبَّاسٍ٣ وعائشة أنَّه
(١) أخرجه أحمد (١٥٥١٣) والترمذي (٩٣٥)، وقال: هذا حديث حسن غريب، ولا نعرف لمحرش الكعبي عن النبي ﷺ غير هذا الحديث.