يبدؤون بشيءٍ حين يضعون أقدامهم أوَّلَ من الطَّواف بالبيت ثمَّ لا يحلُّون. وقد رأيت أمِّي١ وخالتي حين تَقدَمانِ لا تبدآنِ بشيءٍ أوَّلَ من البيت، تطوفان به، ثمَّ لا تَحلَّانِ. وقد أخبرتني أمِّي أنَّها أقبلتْ٢ هي وأختها والزبير وفلانٌ وفلانٌ بعمرةٍ قط٣،
فلمَّا مسحوا الرُّكن حلُّوا.
وفي «سنن أبي داود»٤: ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حمَّاد بن سلمة ووُهَيب بن خالدٍ، كلاهما عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ موافين لهلال ذي الحجَّة، فلمَّا كان بذي الحليفة قال: «من شاء أن يُهِلَّ بحجٍّ فليفعلْ٥، ومن شاء أن يهلَّ بعمرةٍ فليهلَّ٦». ثمَّ انفرد حماد٧ في حديثه بأن قال عنه ﷺ: «فإنِّي لولا أنِّي أهديتُ لأهللتُ بعمرةٍ». وقال الآخر٨: «وأمَّا أنا فأهلُّ بالحجِّ». فصحَّ بمجموع الرِّوايتين أنَّه أهلَّ بالحجِّ مفردًا.
وأرباب هذا القول عذرهم ظاهرٌ كما ترى، ولكن ما عذرهم في حكمه وخبره الذي حكم به على نفسه، وأخبر عنها بقوله: «سُقتُ الهديَ
(١) ك: «أبي»، خطأ.
(٢) كذا في النسخ. وفي البخاري: «أهلَّت».
(٣) كذا في ق، ص، ج، مب. وفي ك: «فقط» .. وليست هذه الكلمة عند البخاري.
(٤) برقم (١٧٧٨). ورجاله كلهم ثقات، انظر: «صحيح أبي داود - الأم» (٦/ ٢٢).
(٥) كذا في النسخ. وعند أبي داود: «فليهل»، فجعله في المطبوع كذلك.
(٦) بعدها عند أبي داود وعنه في المطبوع: «بعمرة». وليست في النسخ.
(٧) كذا في النسخ. وهو وهمٌ من المؤلف، فعند أبي داود: «قال موسى في حديث وُهيب».
(٨) عند أبي داود: «وقال في حديث حمّاد بن سلمة».
وقَرنْتُ»١؟ وخبر من هو تحت بطن ناقته، وأقرب إليه حينئذٍ من غيره، وهو من أصدق النَّاس، يسمعه٢ يقول: «لبَّيك حجًّا وعمرةً»٣، وخبر من هو أعلم النَّاس به عنه عليِّ بن أبي طالبٍ، حين يخبر عنه٤ أنَّه أهلَّ بهما جميعًا، ولبَّى بهما جميعًا٥، وخبر زوجته حفصة في تقريرها له٦ على أنَّه معتمرٌ بعمرةٍ لم يحلَّ منها، فلم ينكر ذلك عليها، بل صدَّقها، وأجابها بأنَّه مع ذلك حاجٌّ٧، وهو ﷺ لا يقرُّ على باطلٍ يسمعه أصلًا، بل ينكره.
وما عذره٨ عن خبره عن نفسه بالوحي الذي جاءه من ربِّه، يأمره فيه أن يهلَّ بحجَّةٍ في عمرةٍ؟ وما عذره عن خبر من أخبر عنه من أصحابه أنَّه قرنَ؛ لأنَّه علم أنَّه لا يحجُّ بعدها، وخبر من أخبر عنه أنَّه اعتمر مع حجَّته؟
وليس مع من قال: إنَّه أفرد الحجَّ شيءٌ من ذلك البتَّة، فلم يقل أحدٌ منهم عنه: إنِّي أفردتُ، ولا أتاني آتٍ من ربِّي يأمرني بالإفراد، ولا قال أحدٌ: ما
(١) أخرجه أبو داود (١٧٩٧) والنسائي (٢٧٢٥) من حديث البراء بن عازب، وإسناده صحيح.
(٢) «يسمعه» ليست في ك. وفي مب: «فسمعته».
(٣) كذا في النسخ، وأخرجه أحمد (١٣٣٤٩) وابن ماجه (٢٩١٧) من حديث أنس بن مالك، وصححه ابن حبان (٣٩٣٢). ولفظهم: «لبيك بحجة وعمرة».
(٤) «عنه» ليست في ق، مب.
(٥) «جميعا» ليست في ص، ك، ج. وقد تقدم تخريج حديث علي.
(٦) ق، ب، مب: «تقريره لها». والمثبت من بقية النسخ.
(٧) تقدم تخريجه.
(٨) كذا بضمير المفرد في جميع النسخ. وفي المطبوع: «عذرهم».