الصادق١. فإذا ضُمَّت رواية مجاهد إلى رواية عمرة والأسود ثمَّ ضُمَّا إلى رواية عروة= تبيَّن من مجموع الرِّوايات أنَّه كان قارنًا، وصدَّق بعضها بعضًا، حتَّى لو لم يحتمل قول عائشة وابن عمر إلا معنى الإهلال به مفردًا حسْبُ٢، لوجب قطعًا أن يكون سبيله سبيلَ قولِ ابن عمر: «اعتمر في رجبٍ»، وقولِ عائشة أو عروة: «إنَّه اعتمر في شوَّالٍ»؛ لأنَّ٣ تلك الأحاديث الصَّحيحة الصَّريحة لا سبيلَ أصلًا إلى تكذيب رواتها، ولا تأويلِها وحملِها على غير ما دلَّت عليه، ولا سبيلَ إلى تقديم هذه الرِّواية المجملة٤ الَّتي قد اضطُرِب عن٥ رواتها واختُلِف عنهم، وعارضهم من هو أوثق منهم أو مثلُهم عليها.
وأمَّا قول جابر: «إنَّه أفرد الحجَّ»، فالصحيح من حديثه ليس فيه شيءٌ من هذا، وإنَّما فيه إخباره عنهم أنفسهم أنَّهم لا ينوون إلا الحجَّ، فأين في هذا ما يدلُّ على أنَّ رسول الله ﷺ لبَّى بالحجِّ مفردًا؟
وأمَّا حديثه٦ الآخر الذي رواه ابن ماجه٧ أنَّ رسول الله ﷺ أفرد الحجَّ، فله ثلاث طرقٍ:
(١) كذا في جميع النسخ، وهو الصواب. وفي المطبوع: «غير صادق»، تحريف.
(٢) «حسب» ليست في المطبوع.
(٣) كذا في النسخ، وهو الصواب. وفي المطبوع: «إلا أن».
(٤) ك: «المحتملة».
(٥) كذا في النسخ. وفي المطبوع: «اضطربت على».
(٦) ص: «الحديث».
(٧) برقم (١٢٤٠).
أجودها: طريق الدراوردي عن جعفر بن محمَّدٍ عن أبيه، وهذا يقينًا مختصرٌ من حديثه الطَّويل في حجَّة الوداع ومرويٌّ بالمعنى، والنَّاس خالفوا الدراورديَّ في ذلك، وقالوا: أهلَّ بالحجِّ، وأهلَّ بالتَّوحيد.
والطَّريق الثَّاني: فيها مطرف بن مصعب١ عن عبد العزيز بن أبي حازمٍ عن جعفر. ومطرّف هذا٢ قال ابن حزمٍ٣: هو مجهولٌ.
قلت: ليس بمجهولٍ، ولكنَّه ابن أخت مالك، روى عنه البخاريُّ وبشر بن موسى وجماعةٌ. قال أبو حاتم: صدوقٌ مضطرب الحديث، هو أحبُّ إليَّ من إسماعيل بن أبي أويسٍ. وقال ابن عديٍّ٤: يأتي بمناكير. وكأنَّ أبا محمد رأى في النُّسخة مطرِّف بن مصعب فجهَّله، وإنَّما هو مطرف أبو مصعب، وهو مطرف بن عبد الله بن مطرف بن سليمان بن يسار.
وممَّن غلط في هذا أيضًا محمد بن عثمان الذهبي في كتابه «الضُّعفاء»٥، فقال: مطرِّف بن مصعب المدني عن ابن أبي ذئبٍ، منكر الحديث.
قلت: والرَّاوي عن ابن أبي ذئبٍ والدراورديّ ومالكٍ هو مطرِّف أبو مصعب المدني٦، وليس بمنكر الحديث، وإنَّما غرَّه قول ابن عديٍّ: «يأتي