أجودها: طريق الدراوردي عن جعفر بن محمَّدٍ عن أبيه، وهذا يقينًا مختصرٌ من حديثه الطَّويل في حجَّة الوداع ومرويٌّ بالمعنى، والنَّاس خالفوا الدراورديَّ في ذلك، وقالوا: أهلَّ بالحجِّ، وأهلَّ بالتَّوحيد.
والطَّريق الثَّاني: فيها مطرف بن مصعب١ عن عبد العزيز بن أبي حازمٍ عن جعفر. ومطرّف هذا٢ قال ابن حزمٍ٣: هو مجهولٌ.
قلت: ليس بمجهولٍ، ولكنَّه ابن أخت مالك، روى عنه البخاريُّ وبشر بن موسى وجماعةٌ. قال أبو حاتم: صدوقٌ مضطرب الحديث، هو أحبُّ إليَّ من إسماعيل بن أبي أويسٍ. وقال ابن عديٍّ٤: يأتي بمناكير. وكأنَّ أبا محمد رأى في النُّسخة مطرِّف بن مصعب فجهَّله، وإنَّما هو مطرف أبو مصعب، وهو مطرف بن عبد الله بن مطرف بن سليمان بن يسار.
وممَّن غلط في هذا أيضًا محمد بن عثمان الذهبي في كتابه «الضُّعفاء»٥، فقال: مطرِّف بن مصعب المدني عن ابن أبي ذئبٍ، منكر الحديث.
قلت: والرَّاوي عن ابن أبي ذئبٍ والدراورديّ ومالكٍ هو مطرِّف أبو مصعب المدني٦، وليس بمنكر الحديث، وإنَّما غرَّه قول ابن عديٍّ: «يأتي
(١) سيأتي الكلام عليه عند المؤلف.
(٢) «هذا» من ك.
(٣) في «حجة الوداع» (ص ٤٥١).
(٤) في «الكامل» (٨/ ١١٠).
(٥) «ديوان الضعفاء والمتروكين» (٢/ ٣٦٤).
(٦) ك، ص، ج: «المديني».
بمناكير»، ثمَّ ساق له منها ابن عديٍّ جملةً، لكن هي من رواية أحمد بن داود أبي صالح١ عنه، كذَّبه الدَّارقطنيُّ، والبلاء فيها منه٢.
والطَّريق الثَّالث٣ لحديث جابر: فيها محمد بن عبد الوهاب، يُنظر فيه من هو وما حاله؟ عن محمَّد بن مسلمٍ، إن كان الطَّائفيَّ فهو ثقةٌ عند ابن معينٍ، ضعيفٌ عند الإمام أحمد، وقال ابن حزمٍ٤: ساقطٌ البتَّة. ولم أر هذه العبارة فيه لغيره، وقد استشهد به مسلم. قال ابن حزمٍ٥: وإن كان غيره فلا أدري من هو. قلت: ليس بغيره، بل هو الطَّائفيُّ يقينًا٦.
وبكلِّ حالٍ فلو صحَّ هذا عن جابر لكان حكمه حكم المرويِّ عن عائشة وابن عمر، وسائرُ الرُّواة الثِّقات إنَّما قالوا: «أهلَّ بالحجِّ»، فلعلَّ هؤلاء حملوه على المعنى، وقالوا: «أفرد الحجَّ». ومعلومٌ أنَّ العمرة إذا دخلت في الحجِّ فمن قال: أهلَّ بالحجِّ، لا يناقض من قال: أهلَّ بهما، بل هذا فصَّل٧ وذاك أجملَ. ومن قال: «أفرد الحجَّ» يحتمل ما ذكرنا من الوجوه الثَّلاثة.
(١) في المطبوع: «بن صالح»، خطأ. والمثبت من النسخ. وانظر «الميزان» (١/ ٩٦).
(٢) ذكره الذهبي في «الميزان» (٤/ ١٢٤، ١٢٥) على الصواب: مطرف بن عبد الله أبو مصعب المدني، وعقَّب على ابن عدي فيما ساق من مناكير بقوله: «هذه أباطيل حاشى مطرفًا من رواياتها، وإنما البلاء من أحمد بن داود، فكيف خفي هذا على ابن عدي؟ فقد كذَّبه الدارقطني».