زاد المعاد

وترجيحٌ ثاني عشر: وهو قول عمر بن الخطَّاب للصُّبَي بن مَعبد وقد أهلَّ بحجٍّ وعمرةٍ، فأنكر عليه زيد بن صُوحان أو سلمان بن ربيعة، فقال له عمر: هُدِيْتَ لسنَّة نبيِّك١. وهذا يوافق رواية عمر عنه أنَّ الوحي جاءه من الله بالإهلال بهما جميعًا، فدلَّ على أنَّ القِران سنَّته الَّتي فعلَها، وامتثلَ أمر الله له بها.

وترجيحٌ ثالث عشر: أنَّ القارن تقع أعماله عن كلٍّ من النُّسكين، فيقع إحرامه وطوافه وسعيه عنهما معًا، وذلك أكمل من وقوعِه عن أحدهما وعملِ كلِّ فعلٍ على حدةٍ.

وترجيحٌ رابع عشر: وهو أنَّ النُّسك الذي اشتمل على سَوق الهدي أفضل بلا ريبٍ من نسكٍ خلا عن الهدي. فإذا قرنَ كان٢ هديه عن كلِّ واحدٍ من النُّسكين، فلم يخلُ نسكٌ منهما عن هديٍ. ولهذا ــ والله أعلم ــ أمر رسول الله ﷺ من ساق الهدي أن يُهِلَّ بالحجِّ والعمرة معًا، وأشار إلى ذلك في المتَّفق عليه من حديث البراء بقوله: «إنِّي سقتُ الهديَ وقَرنتُ».

وترجيحٌ خامس عشر: وهو أنَّه قد ثبت أنَّ التَّمتُّع أفضل من الإفراد لوجوهٍ كثيرةٍ٣:

  1. (١) رواه أبو داود (١٧٩٨) والنسائي (٣٩١٠) من طريق منصور عن أبي وائل، وصححه ابن حبان (٣٩١٠). ورواه أحمد (١٦٩) وابن ماجه (٢٩٧٠) من طريق عبدة بن أبي لبابة، وصححه ابن خزيمة (٣٠٦٩). انظر: «صحيح أبي داود - الأم» (٦/ ٥٥).
  2. (٢) «كان» ليست في ق، ب، مب.
  3. (٣) «كثيرة» ليست في ك.
167

منها: أنَّه ﷺ أمرهم بفسخ الحجِّ إليه١، ومحالٌ أن ينقلهم من الفاضل إلى المفضول الذي هو دونه.

ومنها: أنَّه تأسَّف على كونه لم يفعله بقوله: «لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لما سقتُ الهدي ولجعلتُها متعةً».

ومنها: أنَّه أمر به كلَّ من لم يَسُقِ الهدي.

ومنها: أنَّ الحجَّ الذي استقرَّ عليه فعله وفعل أصحابه: القرانُ لمن ساق، والتَّمتُّع لمن لم يسق.

ولوجوهٍ كثيرةٍ غير هذه، والمتمتِّع إذا ساق الهدي فهو أفضل من متمتِّعٍ اشتراه من مكَّة، بل في أحد القولين: لا هدْيَ إلا ما جمع فيه بين الحلِّ والحرم. وإذا ثبت هذا فالقارن السَّائق أفضل من متمتِّعٍ لم يسقْ ومن متمتِّعٍ ساق، لأنَّه قد ساق الهدي من حين أحرم، والمتمتِّع إنَّما يسوق الهدي من أدنى الحلِّ، فكيف يُجعل مفردٌ٢ لم يسق هديًا أفضلَ من متمتِّعٍ ساقه من أدنى الحلِّ؟ فكيف إذا جُعِل أفضلَ من قارنٍ ساقه٣ من الميقات؟ وهذا بحمد الله واضحٌ.

فصل

وأمَّا من قال: إنَّه حجَّ متمتِّعًا تمتُّعًا حلَّ فيه من إحرامه، ثمَّ أحرم يوم التَّروية بالحجِّ مع سوق الهدي= فعذره ما٤ تقدَّم من حديث معاوية أنَّه قصَّر عن

  1. (١) ك: «البتة».
  2. (٢) في النسخ: «مفردًا» بالنصب. والوجه الرفع.
  3. (٣) «من أدنى الحل ... ساقه» ساقطة من ب.
  4. (٤) ك، ص، ج: «كما».
168

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي