زاد المعاد

منها: أنَّه ﷺ أمرهم بفسخ الحجِّ إليه١، ومحالٌ أن ينقلهم من الفاضل إلى المفضول الذي هو دونه.

ومنها: أنَّه تأسَّف على كونه لم يفعله بقوله: «لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لما سقتُ الهدي ولجعلتُها متعةً».

ومنها: أنَّه أمر به كلَّ من لم يَسُقِ الهدي.

ومنها: أنَّ الحجَّ الذي استقرَّ عليه فعله وفعل أصحابه: القرانُ لمن ساق، والتَّمتُّع لمن لم يسق.

ولوجوهٍ كثيرةٍ غير هذه، والمتمتِّع إذا ساق الهدي فهو أفضل من متمتِّعٍ اشتراه من مكَّة، بل في أحد القولين: لا هدْيَ إلا ما جمع فيه بين الحلِّ والحرم. وإذا ثبت هذا فالقارن السَّائق أفضل من متمتِّعٍ لم يسقْ ومن متمتِّعٍ ساق، لأنَّه قد ساق الهدي من حين أحرم، والمتمتِّع إنَّما يسوق الهدي من أدنى الحلِّ، فكيف يُجعل مفردٌ٢ لم يسق هديًا أفضلَ من متمتِّعٍ ساقه من أدنى الحلِّ؟ فكيف إذا جُعِل أفضلَ من قارنٍ ساقه٣ من الميقات؟ وهذا بحمد الله واضحٌ.

فصل

وأمَّا من قال: إنَّه حجَّ متمتِّعًا تمتُّعًا حلَّ فيه من إحرامه، ثمَّ أحرم يوم التَّروية بالحجِّ مع سوق الهدي= فعذره ما٤ تقدَّم من حديث معاوية أنَّه قصَّر عن

  1. (١) ك: «البتة».
  2. (٢) في النسخ: «مفردًا» بالنصب. والوجه الرفع.
  3. (٣) «من أدنى الحل ... ساقه» ساقطة من ب.
  4. (٤) ك، ص، ج: «كما».
168

رسول الله ﷺ بمِشْقَصٍ في العشر، وفي لفظٍ: «وذلك في حجَّته». وهذا ممَّا أنكره النَّاس على معاوية وغلَّطوه فيه، وأصابه فيه ما أصاب ابنَ عمر في قوله: إنَّه اعتمر في رجبٍ، فإنَّ سائر الأحاديث الصَّحيحة المستفيضة من الوجوه المتعدِّدة كلَّها تدلُّ على أنَّه ﷺ لم يحلَّ من إحرامه إلى يوم النَّحر، وبذلك أخبر عن نفسه بقوله: «لولا أنَّ معي الهديَ لأحللتُ»، وقوله: «إنِّي سقتُ الهديَ وقرنتُ فلا أحلُّ حتَّى أنحر». وهذا خبرٌ عن نفسه، فلا يدخله الوهم ولا الغلط، بخلاف خبر غيره عنه، لا سيَّما خبر يخالف ما أخبر به عن نفسه، وأخبر عنه به١ الجمُّ الغفير: أنَّه لم يأخذ من شعره شيئًا، لا بتقصيرٍ ولا حلقٍ، وأنَّه بقي على إحرامه حتَّى حلق يوم النَّحر. ولعلَّ معاوية قصَّر عن رأسه في عمرة الجِعرانة، فإنَّه كان حينئذٍ قد أسلم، ثمَّ نسي وظنَّ أنَّ ذلك كان في العشر، كما نسي ابن عمر أنَّ عمرته كانت في ذي القعدة، وقال: كانت في رجبٍ، وقد كان معه فيها. والوهم جائزٌ على من سوى الرَّسول، فإذا قام الدَّليل عليه صار واجبًا.

وقد قيل: إنَّ معاوية لعلَّه قصَّر عن رأسه بقيَّة شعرٍ لم يكن استوفاه الحلَّاق يوم النَّحر، فأخذه معاوية على المروة، ذكره أبو محمَّد بن حزمٍ٢. وهذا أيضًا من وهمه، فإنَّ الحلَّاق لا يُبقِي غلطًا شعرًا يُقصِّر منه، ثمَّ يبقي منه بعد التَّقصير بقيَّةً، وقد قسم شعر رأسه بين الصَّحابة، فأصاب أبا طلحة أحدُ الشِّقَّين، وبقيَّة الصَّحابة اقتسموا الشِّقَّ الآخر٣ الشَّعرة والشَّعرتين والشَّعرات٤. وأيضًا فإنَّه

  1. (١) ك، ص، ج: «به عنه».
  2. (٢) في «حجة الوداع» (ص ٤٣٨).
  3. (٣) رواه مسلم (١٣٠٥/ ٣٢٥) من حديث أنس بن مالك ﵁ .
  4. (٤) ك: «الثلاث».
169

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي