الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلَّم كثيرًا.
سئل
الشيخ الإمام العالم العلامة شمس الدين ــ زاده الله من فضله ــ عن كيفية الجزية الموضوعة على أهل الذمة بالبلاد الإسلامية، وسبب وضعها، وعن مقدار ما يُؤخذ من الأغنياء ومن المتوسطين ومن الفقراء، وعن حدِّ الغني والمتوسط والفقير فيها، وهل يُثاب أولياء أمور المسلمين ــ أيَّدهم١ الله تعالى ــ على إلزامهم بها على حسب حالهم أم لا؟ وهل يُؤخذ من الغني والفقير والمتوسط؟٢ وأجاب:
فأجمع الفقهاء على أن الجزية تُؤخذ من أهل الكتاب ومن المجوس. وكان عمر بن الخطاب ﵁ قد توقَّف في أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوفٍ أن رسول الله ﷺ أخذها من مجوس هَجَرَ. ذكره البخاري١.
وذكر الشافعي٢ أن عمر بن الخطاب ذكر المجوس فقال: ما أدري كيف أصنعُ في أمرهم، فقال له عبد الرحمن بن عوفٍ: أشهد لسمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "سُنُّوا بهم سنةَ أهل الكتاب". وهذا صريحٌ في أنهم ليسوا من أهل الكتاب، ويدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾[الأنعام: ١٥٧]، فالله سبحانه حكى هذا عنهم، ولم ينكره عليهم ولم يكذِّبهم فيه.
وأما حديث عليٍّ أنه قال: "أنا أعلم الناس بالمجوس: كان لهم علمٌ
(١) في "صحيحه" (٣١٥٦).
(٢) في "الأم" (٥/ ٤٠٨) عن مالك ــ وهو في "الموطأ" (٧٥٦) ــ عن جعفر بن محمد، عن أبيه، أن عمر ... إلخ. وأخرجه أيضًا عبد الرزاق (١٠٠٢٥) وابن أبي شيبة (١٠٨٧٠، ٣٣٣١٨، ٣٣٣١٩) وأبو يعلى (٨٦٢) وغيرهم من طرقٍ عن جعفر بن محمد به. رجاله ثقات، إلا أنه منقطع كما قال الشافعي عند إيراده، وذلك أن محمدًا ــ وهو الباقر ــ لم يُدرك عمر ولا عبد الرحمن. قال ابن عبد البر في "التمهيد" (٢/ ١١٦): هو منقطع ولكن معناه متصل من وجوه حسان. قلتُ: منها حديث البخاري المتقدم آنفًا. وانظر: "تنقيح التحقيق" (٤/ ٦١٨) و"إرواء الغليل" (١٢٤٨، ١٢٤٩).