فإنَّه لا١ يجوز بيعه من ذمِّيٍّ على ظاهر كلام إمامنا أحمد رحمه الله تعالى.
ولأنَّه إذا كان في أيدي المسلمين رُجِي إسلامه، وإذا بِيع٢ منهم منعوه من الإسلام٣ إن رغب فيه، ولهذا منعنا الكافر من حضانة اللقيط.
فصل
فإن قيل: فكيف تجمعون بين المنع من بيعهم لكافر وبين جواز المفاداة بهم من الكفار بالمال والمسلم؟
قيل: أمَّا المفاداة بهم بمسلم فيجوز، لأنَّ مصلحة تخليص المسلم من أَسْرِ الكفار أرجح من بقاء العبد الكافر بين المسلمين ينتظرون إسلامه؛ بخلاف بيعه لهم فإنَّه لا مصلحة فيه للعبد، وهو يفوِّت عليه ما يرجى له بإقامته بين المسلمين من أعظم المصالح.
وأمَّا مُفادَاته بمال، فهذا فيه روايتان عن الإمام أحمد، فإن منعنا ذلك فلأنَّ مفاداته بمالٍ بَيعٌ منه لهم٤.
(١) كذا في الأصل وفي «رؤوس المسائل»، وهي مقحمة على ما استظهرناه في التعليق السابق.
(٢) في الأصل: «منع»، تصحيف.
(٣) في الأصل دون لام التعريف، والتصحيح من «رؤوس المسائل».
(٤) كذا في الأصل، ولعل الصواب: «بيع له منهم»، أي: بيع للعبد من الكفار، إلا إذا كان الضمير في «منه» للإمام ــ ولم يسبق له ذكر ــ أي: أن المفاداة بمثابة بيعٍ من الإمام للكفار.
قال١: وإن جوزناها فالفرق بينها وبين بيع المسلم له من الكافر أنَّ مصلحة الفداء بالمال قد تكون عامةً للمسلمين لحاجتهم إلى المال يتقوَّون به على عدوِّهم، فتكون مصلحة المفاداة أرجح من بقاء العبد بين أظهر المسلمين، بخلاف بيع المسلم المالك له من كافر، فإنَّه لا مصلحة للمسلمين في ذلك.
ذكر نصوص أحمد في هذا الباب٢
قال يعقوب بن بختان: سألت أبا عبد الله: أيباع السبي من أهل الذمة؟ قال: لا. يروى فيه عن الحسن٣.
وقال بكر بن محمد: سئل أبو عبد الله عن الرجل يبيع العبد النصراني من النصراني؟ قال: لا يبتاعون من سَبْينا. قيل له: فيكون عبدًا لنصرانيٍّ٤ فيشترى منه فيباع للنصراني؟ قال: نعم، وكره أن يباع المملوك النصراني إذا كان من سبي المسلمين للنصارى.
وقال المَرُّوذي: سئل أبو عبد الله: هل يشتري أهل الذمة من سبينا؟ قال: لا، إذا صاروا إليهم يئسوا من الإسلام، وإذا كانوا في أيدي المسلمين فهو
(١) لعل القائل أبو الحسين بن أبي يعلى.
(٢) من «جامع الخلال» (٢/ ٣٢٥ - ٣٢٩)، باختصار وتصرف.
(٣) أسنده أحمد في رواية أبي طالب فقال: حدثنا معاذ، قال حدثنا الأشعث، عن الحسن أنه كان يكره أن يبيع الرقيق الذي جرت عليه سهام المسلمين من أهل الذمة، وإن كان الرقيق لم يسلموا بعد. «الجامع» (٢/ ٣٢٧).
(٤) يحتمل قراءته: «عند النصراني» ــ كما في مطبوعة «الجامع» ــ و«عبد النصراني».