وقولهم: (وأن نَلْزم زِيَّنا حيثما كنا، وأن لا نتشبَّه بالمسلمين في لبس قَلَنْسُوة ولا عمامة ولا فَرْق شعرٍ ولا في مراكبهم).
هذا أصل الغيار، وهو سُنَّةٌ سَنَّها مَن أمر رسولُ الله ﷺ باتَّباع سُنَّته، وجرى عليها الأئمةُ بعده في كلِّ عصرٍ ومِصرٍ، وقد تقدَّمت بها سُنَّةُ رسول الله ﷺ.
قال أبو القاسم الطبري: سياق ما روي عن النبي ﷺ ممَّا يدلُّ على وجوب استعمال الغِيار لأهل الملل الذين خالفوا شريعته صَغارًا وذُلًّا وشُهرةً وعَلَمًا عليهم، ليُعرَفوا من المسلمين في زيِّهم ولباسهم ولا يتشبَّهوا بهم. وكتب عمر إلى الأمصار أن تُجَزَّ نواصيهم، وأن لا يلبسوا لبسة المسلمين حتى يعرفوا. وعن عمر بن عبد العزيز مثله٢.
قال: وهذا مذهب التابعين وأصحاب المقالات من الفقهاء المتقدمين والمتأخرين. ثم ساق من طريق الفريابي٣: حدثنا عبد الرحمن بن ثابت، عن حسَّان بن عطية، عن أبي مُنيب الجُرَشي، عن ابن عمر ﵄ قال:
(١) هذا الفصل وما بعده من الفصول إلى (ص ٤١٦) تندرج تحت «الفصل الرابع: فيما يتعلَّق بتغيير لباسهم وتمييزهم عن المسلمين في المركب واللباس وغيره» حسب تقسيم المؤلف المذكور (ص ٢٧٨).
(٢) سيأتي ذكر فِعل العُمَرين بإسناده، وثَمَّ تخريجه.
(٣) في الأصل والمطبوع: «العرياني»، تصحيف قد سبق مثلُه. ومن طريق الفريابي أخرجه ابن الأعرابي في «معجمه» (١١٣٧) ــ ثم من طريقه البيهقي في «شعب الإيمان» (١١٥٤) ــ وتمَّام في «فوائده» (٧٧٠).
قال رسول الله ﷺ: «بُعِثت بالسَّيف بين يدَيِ الساعة حتى يُعبَد الله لا يشرك به،١ وجُعِل الذلُّ والصَّغار على مَن خالف أمري، ومن تشبَّه بقوم فهو منهم». رواه الإمام أحمد في «مسنده»٢.
قال أبو القاسم: هذا أحسن حديث روي في الغيار، وأشبه بمعناه، وأوجه في استعماله، لِما ينطق لفظُه بمعناه ومفهومه، بما يقتضي فحواه٣ من قوله: «وجُعِل الذلُّ والصَّغار على مَن خالف أمري»، فأهل الذمة أعظم خلافًا لأمره وأعصاهم لقوله، فهم أهل أن يُذَلُّوا بالتغيير عن زيِّ المسلمين الذين أعزَّهم الله بطاعته وطاعة رسوله من٤ الذين عصوا الله ورسوله، فأذلَّهم وصغَّرهم وحقَّرهم حتى تكون سمة الهوان عليهم، فيُعرَفون بزيهم.
ودلالةٌ ظاهرةٌ٥ في وجوب استعمال الغيار على أهل الذمة من قوله
(١) بعده في مصادر الحديث: «وجُعل رِزْقي تحت ظِلِّ رُمحي»، فلا أدري أسقط من الناسخ لانتقال النظر، أو هكذا رواه اللالكائي.
(٢) رقم (٥١١٤، ٥١١٥) من طريقين آخرين عن عبد الرحمن بن ثابت به. وأخرجه أبو داود مختصرًا (٤٠٣١)، وعلَّق البخاري بعضه في الجهاد (باب ما قيل في الرماح) بصيعة التمريض. ورجاله ثقات، عدا عبد الرحمن بن ثابت ــ هو ابن ثوبان ــ فإنه مختلف فيه. وقد حسَّنه شيخ الإسلام في «الاقتضاء» (١/ ٢٦٩) وذكر أن أحمد احتجَّ به، والذهبيُّ في «السير» (١٥/ ٥٠٩)، والحافظ في «الفتح» (١٠/ ٢٢٢). وله شواهد، ولكنها ما بين ضعيف ومرسل. انظر: «أنيس الساري» (٣٥٦١).
(٣) في الأصل: «نحواه»، خطأ.
(٤) كذا، ولم يتبيَّن متعلَّق الجار والمجور.
(٥) معطوف على: «هذا أحسن حديث روي في الغيار ...». وغيَّره في المطبوع إلى: «ودلالته ظاهرة».