ﷺ: «مَن تشبَّه بقوم فهو منهم»، ومعناه إن شاء الله: أنَّ المسلم يتشبَّه بالمسلم في زيِّه فيعرف أنَّه مسلم، والكافر يتشبَّه بزيِّ الكافر فيعلم أنه كافرٌ، فيجب أن يُجبَر الكافر على التشبُّه بقومه ليعرفه المسلمون به.
وقد قال رسول الله ﷺ: «يُسلِّم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير»١. وسأله رجلٌ: أي الإسلام خيرٌ؟ قال: «تُطعِم الطعام، وتَقرأ السلامَ على مَن عرفتَ ومَن لم تعرف»٢. وقد نهى أن يُبدَأ اليهود والنصارى بالسلام٣، وإذا سلَّم أحدهم علينا أن نقول له: وعليكم٤. وإذا كان هذا من سُنَّة الإسلام فلا بدَّ أن يكون لأهل الذمة زيٌّ يُعرَفون به حتى يُمْكِن استعمالُ السُّنَّة في السلام في حقِّهم، ويَعرِف منهم المسلمُ مَن سلَّم عليه: هل٥ هو مسلم يستحقُّ السلام أو ذمي لا يستحقُّه، وكيف يرد عليهم؟
وقد كتب عمر إلى الأمصار أن تُجَزَّ نواصيهم ــ يعني: أهل الكتاب ــ وأن لا يلبسوا لبسة المسلمين، حتى يُعرَفوا.
قلت: ما ذكره من أمر السلام فائدةٌ من فوائد الغيار. وفوائده أكثر من ذلك، فمنها: أنَّه لا يقوم له، ولا يُصدَّر في المجلس، ولا يُقبِّل يدَه، ولا يقوم لدى٦
(١) أخرجه البخاري (٦٢٣٢) ومسلم (٢١٦٠) من حديث أبي هريرة.
(٢) أخرجه البخاري (١٢) ومسلم (٣٩) من حديث عبد الله بن عمرو.
(٣) كما في حديث أبي هريرة عند مسلم (٢١٦٧).
(٤) كما في حديث أنس عند البخاري (٦٢٥٨) ومسلم (٢١٦٣)
(٥) في الأصل: «فلل» من غير نقط، مُعلمًا عليه بالحمرة، وفي الهامش: «ظ»، أي: فيه نظر. والظاهر أنه مصحَّف عن المثبت.
(٦) في الأصل: «لا»، تصحيف.
رأسه، ولا يخاطبه بأخي وسيدي ووليي ونحو ذلك، ولا يُدعَى له بما يُدعَى به للمسلم من النصر والعِزِّ ونحو ذلك، ولا يصرف إليه من أوقاف المسلمين ولا مِن زكواتهم، ولا يستشهده تحمُّلًا ولا أداءً، ولا يبيعه عبدًا مسلمًا، ولا يمكِّنه من المُصحَف، وغيرُ ذلك من الأحكام المختصة بالمسلمين؛ فلولا النهي لعامَلَه ببعض ما هو مختصٌّ بالمسلم.
فهذا من حيث الإجمال، وأمَّا من حيث التفصيل ففي شروط عمر ﵁: (وأن لا نتشبَّه بالمسلمين في شيء من لباسهم في قلنسوة ...)، فيمنعون من لباسها لما كان رسولُ الله ﷺ وصحابته يلبسونها، ولم يزل لُبسها عادة الأكابر من العلماء والفقهاء والقضاة والأشراف والخطباء على الناس، واستمر الأمر على ذلك إلى أواخر الدولة الصلاحية فرغب الناس عنها.
وقد روى العوَّام بن حَوشب، عن إبراهيم التَّيمي، عن ابن عمر: كان للنبي ﷺ قَلَنْسُوةٌ بيضاء لاطئةٌ يلبسها١.
وكان لعلي ﵁ قلنسوةٌ بيضاء يلبسها٢.
(١) أخرجه أبو يعلى كما في «المطالب العالية» (٢٢٤٦) ــ وعنه أبو الشيخ في «أخلاق النبي ﷺ» (٣١٢) ــ والعقيلي في «الضعفاء» (٣/ ٢٠١) وابن عدي في «الكامل» (٦/ ٥٦٧) والطبراني (١٣/ ٢٠٤) والبيهقي في «شعب الإيمان» (٣١٢)، كلهم من طريق عبد الله بن خراش عن العوام بن حوشب به. وقال البيهقي: «تفرد به ابن خراش، وهو ضعيف». بل هو منكر الحديث جدًّا، وقد اتُّهم بالكذب. وله شاهد من حديث عائشة وعبد الله بن بسر ﵄، ولكن إسناد كليهما واه. انظر: «السلسلة الضعيفة» (٢٥٣٨).
(٢) أخرج ابن سعد في «الطبقات» (٣/ ٢٨) والدولابي في «الكنى» (١٣٢٨، ١٣٢٩) أنه رئي على علي ﵁ قلنسوة بيضاء مُضرَّبة (أي: مخيطة). وفي إسناده لين.