رأسه، ولا يخاطبه بأخي وسيدي ووليي ونحو ذلك، ولا يُدعَى له بما يُدعَى به للمسلم من النصر والعِزِّ ونحو ذلك، ولا يصرف إليه من أوقاف المسلمين ولا مِن زكواتهم، ولا يستشهده تحمُّلًا ولا أداءً، ولا يبيعه عبدًا مسلمًا، ولا يمكِّنه من المُصحَف، وغيرُ ذلك من الأحكام المختصة بالمسلمين؛ فلولا النهي لعامَلَه ببعض ما هو مختصٌّ بالمسلم.
فهذا من حيث الإجمال، وأمَّا من حيث التفصيل ففي شروط عمر ﵁: (وأن لا نتشبَّه بالمسلمين في شيء من لباسهم في قلنسوة ...)، فيمنعون من لباسها لما كان رسولُ الله ﷺ وصحابته يلبسونها، ولم يزل لُبسها عادة الأكابر من العلماء والفقهاء والقضاة والأشراف والخطباء على الناس، واستمر الأمر على ذلك إلى أواخر الدولة الصلاحية فرغب الناس عنها.
وقد روى العوَّام بن حَوشب، عن إبراهيم التَّيمي، عن ابن عمر: كان للنبي ﷺ قَلَنْسُوةٌ بيضاء لاطئةٌ يلبسها١.
وكان لعلي ﵁ قلنسوةٌ بيضاء يلبسها٢.
(١) أخرجه أبو يعلى كما في «المطالب العالية» (٢٢٤٦) ــ وعنه أبو الشيخ في «أخلاق النبي ﷺ» (٣١٢) ــ والعقيلي في «الضعفاء» (٣/ ٢٠١) وابن عدي في «الكامل» (٦/ ٥٦٧) والطبراني (١٣/ ٢٠٤) والبيهقي في «شعب الإيمان» (٣١٢)، كلهم من طريق عبد الله بن خراش عن العوام بن حوشب به. وقال البيهقي: «تفرد به ابن خراش، وهو ضعيف». بل هو منكر الحديث جدًّا، وقد اتُّهم بالكذب. وله شاهد من حديث عائشة وعبد الله بن بسر ﵄، ولكن إسناد كليهما واه. انظر: «السلسلة الضعيفة» (٢٥٣٨).
(٢) أخرج ابن سعد في «الطبقات» (٣/ ٢٨) والدولابي في «الكنى» (١٣٢٨، ١٣٢٩) أنه رئي على علي ﵁ قلنسوة بيضاء مُضرَّبة (أي: مخيطة). وفي إسناده لين.
وذكر سفيان عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر أنَّه كان لا يمسح على العمامة ولا على القلنسوة١.
وقالت أُمُّ نَهار: كان أنسٌ يمُرُّ بنا في كلِّ جمعة على بِرذَون عليه قلنسوةٌ لاطئةٌ٢.
فإنَّما نهى عمر ﵁ أهل الذِّمة عن لبسها لأنهَّا زيُّ رسول الله ﷺ وصحابته من بعده وغيرِهم من الخلفاء بعده، وللمسلمين برسول الله ﷺ وأصحابه أسوةٌ وقدوةٌ، فالخلفاء يلبسونها اقتداءً برسول الله ﷺ وتشبُّهًا به وهُم أولى الناس باتِّباعه واقتفاء أثره.
والعلماء يلبسونها إذا انتهوا في علمهم وعِزِّهم٣ وعَظُمت منزلتهم واقتدى الناس بهم، فيتميَّزون٤ بها للشرف على مَن دونهم لِما رفعهم الله بعلمهم على جَهَلة خلقه. والقضاة تلبسها هيبةً ورِفعةً، والخطباء تلبسها على
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٣٤) وابن المنذر في «الأوسط» (٢/ ١٢٤) من طريق سفيان ــ هو الثوري ــ به، دون قوله: «ولا على قلنسوة». وفي «سنن الدارقطني» (٣٧٦) من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان إذا مسح رأسَه رفع القلنسوة ومسح مقدَّمَ رأسه.
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في «العيال» (٢٨٣) وأبو القاسم البغوي في «معجم الصحابة» (١١٩) والحافظ ابن حجر في «الأحاديث العشرة العشارية الاختيارية» (٥) وقال: هذا إسناد حسن موقوف.
(٣) في الأصل: «وغيرهم»، والمثبت من نشرة صبحي الصالح.
(٤) في الأصل: «فيمهرون» مهملًا مع استشكاله بـ «ظ» في الهامش. ولعله تصحيف عن المثبت.