قلت: فلو خالفت عمائمُهم عمائم المسلمين في لون أو غيره، فهل يُمكَّنون من ذلك؟ يحتمل أن يقال بتمكينهم منها لحصول التمييز المقصود، ويحتمل أن لا يُمكَّنوا، إذ المقصود أنَّهم لا يلبسون هذا الجنس كما لا يركبون الخيل ولو تميَّزت عن خيول المسلمين، لأنَّ ركوبها عِزٌّ وليسوا من أهله، كما يُمنَعون من إرخاء الذوائب.
ولم أجد عن أحمد نصًّا في لبسهم العمائم، ولكن قال المتأخِّرون من أتباعه: إنَّهم يَشُدُّون في أطراف عمائمهم وقلانسهم ما يخالف لونَها كخِرَقٍ صُفْرٍ١ ونحوها. وحكَوا في جواز تمكينهم من الطيالسة وجهين، وإجراء٢ الوجهين في العمائم أولى، [فهي أولى]٣ وأحقُّ بالمنع لِما تقدَّم.
وقال أبو الشيخ٤: حدثنا أحمد بن الحسين، حدثنا الدَّورقي، حدثنا علي بن الحسن بن شقيق، حدثنا ابن المبارك، حدثنا مَعمَر: أنَّ عمر بن عبد العزيز كتب أن امْنَع مَن قِبَلكم، أن لا يَلبَس نصراني قَباءً ولا ثوبَ خزٍّ
(١) غير محرر في الأصل، يشبه: «لحر وصفر»، فأثبت صبحي الصالح ﵀: «بحمرةٍ أو صُفرةٍ ونحوهما». والمثبت هو الصواب. انظر: «المستوعب» (٢/ ٤٧١)، و«الإنصاف» (١٠/ ٤٤٨)، و«كشاف القناع» (٧/ ٢٥١ - نشرة وزارة العدل).
(٢) في المطبوع: «وأحد»، تصحيف.
(٣) زيادة يستقيم بها السياق، ولعلها سقط نحوها لانتقال النظر.
(٤) في «كتاب شروط عمر»، وهو في عداد المفقود كما سبق. ورواته كلهم ثقات، شيخه هو أبو جعفر البغدادي الحذَّاء (ت ٢٩٩)، وثَّقه الدارقطني؛ إلا أن معمرًا لم يُدرك عمر بن عبد العزيز. وأخرجه أيضًا أبو يوسف في «الخراج» (٢٧٩) عن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن أبيه أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عامل له ... إلخ بنحوه.
ولا عصبٍ، وتَقَدَّمْ في ذلك أشدَّ التقدُّم حتى لا يخفى على أحدٍ نهيٌ عنه. وقد ذُكِر لي أن كثيرًا ممَّن قبلك من النصارى قد راجعوا لبس العمائم وتركوا المناطق على أوساطهم واتَّخذوا الوَفْر١ والجِمام٢، ولعَمْري إن كان يُصنع ذلك فيما قِبَلك إنَّ ذلك بك ضعفٌ وعجز، فانظر كلَّ شيء نهيتُ عنه وتقدَّمتُ فيه فلا تُرخِّص فيه ولا تغيِّر منه شيئًا.
حدثنا أحمد بن الحسين، حدثنا أحمد، حدثنا سعيد بن سليمان٣، ثنا أبو مَعشَر، عن محمد بن قيس وسعيد بن عبد الرحمن بن حبَّان٤ قالا: دخل ناس من بني تَغلِب على عمر بن عبد العزيز عليهم العمائم كهيئة العرب، قالوا: يا أمير المؤمنين، أَلحِقنا بالعرب. قال: فمَن أنتم؟ قالوا: نحن بنو تغلب. قال: أَوَلستم من أوسط العرب؟ قالوا: نحن نصارى. قال: عليَّ بجَلَمٍ، فأخذ من نواصيهم وألقى العمائم، وشقَّ من رداء٥ كل واحدٍ منهم شبرًا يُحزِم به. وقال: لا تركبوا السُّرُوج، واركبوا الأُكُف٦، ودَلُّوا رِجلَيكم
(١) كذا في الأصل، والوَفْر من المال وغيره: الكثير. والمراد هنا الوفرة من الشعر، وهو ما بلغ الأذنين، ويُجمع على «الوِفار».
(٢) جمع الجُمَّة، وهي من الشعر ما بلغ المنكبين. ويُجمع أيضًا على «الجُمَم»، وهو ما أثبته صبحي الصالح وخطَّأ ما في الأصل.
(٣) في الأصل: «سلمان»، تصحيف. هو سعيد بن سليمان الضبِّي الواسطي، الملقَّب بـ «سعدويه»، روى عن أبي معشر نجيح بن عبد الرحمن السِّندي.
(٤) لم أعرفه، وفي بعض نسخ «الاقتضاء» (١/ ٣٦٧): «سعد» بدل «سعيد».
(٥) في الأصل: «وراء»، تصحيف، والتصحيح من «الاقتضاء».
(٦) الظاهر أن المراد: اركبوا الحمير والبغال، ولا تركبوا الخيل، إذ الأُكُف (واحده: إكاف) تكون للحمير والسُّرُوج للخيل.