قيل: اقتعطها١، فهي المنهي عنها٢، فإذا أدارها تحت الحنك قيل: تلحَّاها، وكان طاوس يقول: تلك عِمَّة الشيطان٣، يعني التي لا يُتلحَّى بها.
قال أبو القاسم: وعمَّة الشيطان أهل الذمة بها أولى!
قال: وكذلك إذا تعمَّموا لا يرسلون أطراف العمامة خلف ظهورهم، لأنَّ هذا هو السنة في التعمُّم بفعل رسول الله ﷺ٤ [و] بفعل عبد الرحمن بن عوف فيما روى الهَيثَم بن حميدٍ، عن حفص٥ بن غيلان، عن عطاء بن أبي رباح، عن عبد الله بن عمر ﵄ أنَّ رسول الله ﷺ أمر عبد الرحمن بن عوف أن يتجهَّز لسَرِيَّةٍ بعثه عليها، فأصبح قد اعتمَّ بعمامة سوداء٦.
وقال أبو أسامة: [حدثنا] عبيد الله، عن نافع: كان ابن عمر يعتمُّ ويُرخِيها بين كتفيه. قال عبيد الله: وأخبرني أشياخنا أنَّهم رأوا أصحاب رسول الله ﷺ يعتمُّون ويُرخُونها بين أكتافهم٧.
(١) في الأصل: «اقتلعها»، تصحيف.
(٢) في الأصل: «عنه».
(٣) أخرجه معمرٌ في «الجامع» (١٩٩٧٨ - مصنف عبد الرزاق) ومن طريقه أحمد في «العلل» (٢/ ٥٦٩) والبيهقي في «شعب الإيمان» (٥٨٥٤).
(٤) كما في حديث عمرو بن حريث ﵁ أنه رأى النبي ﷺ على المنبر وعليه عمامة سوداء، قد أرخى طرفَيها بين كتفَيه. أخرجه مسلم (١٣٥٩).
(٥) في الأصل: «بن صفوان»، تصحيف.
(٦) أخرجه البزار (١٢/ ٣١٥) والطبراني في «الأوسط» (٤٦٧١) والحاكم (٤/ ٥٤٠) وغيرهم من طريق الهيثم بن حميد به. وإسناده لا بأس به. وأخرجه ابن إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٦٣١) ــ عمَّن لا يتهم عن عطاء بن أبي ربا ح به.
(٧) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٥٤٧٧) عن أبي أسامة به، وإسناده صحيح.
فإرخاء الذؤابة من زيِّ أهل العلم والفضل والشرف، فلا يجوز أن يمكَّن الكفار من التشبُّه بهم فيه.
فصل
قولهم: (ولا في نعلين، ولا فَرْق شعر).
أي: لا نتشبَّه بهم في نعالهم، بل تكون نعالهم مخالفةً لنعال المسلمين ليحصل كمال التمييز وعدم المشابهة في الزيِّ الظاهر، ليكون ذلك أبعد من المشابهة في الزي الباطن، فإنَّ المشابهة في أحدهما تدعو إلى المشابهة في الآخر بحسبها. وهذا أمرٌ معلومٌ بالمشاهدة، فليس المقصود من الغيار والتمييز في اللباس وغيره مجرَّدَ تمييز الكافر عن المسلم، بل هو من جملة المقاصد، والمقصود الأعظم ترك الأسباب التي تدعو إلى موافقتهم ومشابهتهم باطنًا.
والنبيُّ ﷺ سَنَّ لأمته ترك التشبُّه بهم بكلِّ طريقٍ وقال: «خَالَف هديُنا هديَ المشركين»١.
(١) أخرجه الطبراني (٢٠/ ٢٤) والحاكم (٢/ ٢٧٧) ــ ومن طريقه البيهقي (٥/ ١٢٥) ــ من طريق عبد الوارث بن سعيد، عن ابن جريج، عن محمد بن قيس، عن المسور بن مخرمة أن النبي ﷺ قال ذلك في خطبته بعرفة في شأن الدفع من عرفة بعد الغروب ومن مزدلفة قبل طلوع الشمس خلافًا لما كان عليه المشركون. رجاله ثقات إلا أنه اختُلف على ابن جريجٍ فيه، فأخرجه الشافعي ــ كما في «معرفة السنن» (٧/ ٣٠١) ــ وأبو داود في «المراسيل» (١٥١) وابن أبي شيبة (١٥٤١٦) من طرق عن ابن جريج عن محمد بن قيس عن النبي ﷺ مرسلًا، وهو أشبه. ثم إن فيه انقطاعًا آخر، ففي رواية ابن أبي شيبة قال ابن جُريج: «أُخبِرت عن محمد بن قيس». وأما كون النبي ﷺ خالف هدي المشركين في ذلك فقد ثبت من غير وجه، منها حديث عمر في «صحيح البخاري» (١٦٨٤).