وقد وَسَم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ مَن على رأسه شعرٌ من أهل الذمة بوسم ينبغي اتباعه، وهو أن تُجَزَّ نواصيهم. والناصية مقدار ربع الرأس، فإذا كان ربعه محلوقًا كان علمًا ظاهرًا وأمرًا مشهورًا أنَّه ذمي. وهذا معنى ما في كتاب أمير المؤمنين في الشروط: (وأن نجزَّ مقادم رؤوسنا).
قال أبو القاسم: أخبرنا علي بن عمر، أخبرنا إسماعيل بن محمد، حدثنا عباس الدوري، ثنا خالد بن مخلدٍ، عن عبيد الله بن عمر، عن نافعٍ، عن ابن عمر، وعن عمر ﵁: أنه كان يكتب إلى عماله يأمرهم بجزِّ نواصيهم، يعني: أهل الكتاب.
قال أبو القاسم: كذا قال خالدٌ: عن نافعٍ، عن ابن عمر. وإنَّما هو عن أسلم، عن عمر؛ كذلك رواه عبد الرحمن بن مهدي، عن عبد الله بن عمر العمري، وهو الصواب١.
فصل
في هدي رسول الله ﷺ في حلق الرأس وتركه وكيفية جعل شعره
لم يكن هديه ﷺ حلق رأسه في غير نسكٍ، بل لم يُحفَظ عنه أنَّه حلق رأسه إلا في حجٍّ أو عمرةٍ.
(١) وقد سبق تخريجه من هذا الوجه قريبًا.
وحلقُ الرأس أربعة أقسام: شرعي، وشركي، وبدعي، ورخصة١.
فالشرعي: الحلق في الحج والعمرة.
والشركي: حلق الرأس للشيوخ، فإنَّهم يحلقون رؤوس المريدين للشيخ، ويقولون٢: احلق رأسك للشيخ فلان. وهذا من جنس السجود له، فإنَّ حلق الرأس عبوديةٌ وذلٌّ٣.
وكثيرٌ منهم يعمل المشيخة الوثنية، فيرغم٤ المريد على السجود له ويسمِّيه وضْعَ رأسٍ وأدبًا. وعلى التوبة له، والتوبةُ لا ينبغي أن تكون لأحد إلا لله وحده. وعلى حلق الرأس له، وحلقُ الرأس عبوديةٌ لا تَصلُح إلا لله وحده، وكانت العرب إذا مَنُّوا٥ على الأسير جَزُّوا نواصيَه وأطلقوه عبوديةً وإذلالًا له، ولهذا كان من تمام النسك وضع النواصي لله عبوديةً وخضوعًا وذُلًّا. ويُربُّونه على الحلف باسم الشيخ والنذر له٦، وقد صحَّ عنه ﷺ أنه
(١) قسمه المؤلف في الطب النبوي من «زاد المعاد» (٤/ ٢٢٧) إلى ثلاثة أنواع: نسك وقربة. بدعة وشرك. حاجة ودواء.
(٢) في الأصل: «ويقول»، ولعل المثبت أشبه.
(٣) رسمه في الأصل يشبه: «تدلي» من غير نقط، فأصلحه في المطبوع إلى «مذلة»، والمثبت من «زاد المعاد» أشبه.
(٤) في الأصل: «فيري»، ولعل المثبت أشبه.
(٥) في المطبوع: «أمنوا»، خطأ.
(٦) في الأصل: «فابدر له»، تحريف، وقدَّره صبحي الصالح: «لإذلاله»، والصواب ما أثبتناه، ويدل عليه ما بعده.