بإسناد جيدٍ عن معاذٍ ﵁ أن رسول الله ﷺ لما بعثه إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل حالمٍ دينارًا أو عِدْلَه مَعافِر. ورواه أهل السنن، وقال الترمذي: حديث حسن.
وكذلك أهل نجران لم يأخذ في جزيتهم ذهبًا ولا فضةً، وإنما أخذ منهم الحُلَل والسِّلاح. فروى أبو داود في "سننه"١ عن ابن عباس ﵄ قال: صالح رسول الله ﷺ أهلَ نجران على ألفَي حُلَّةٍ ــ النصف في صفرٍ والنصف في رجبٍ ــ يؤدُّونها إلى المسلمين، وعارية٢ ثلاثين درعًا وثلاثين فرسًا وثلاثين بعيرًا وثلاثين من كل صنفٍ من أصناف السلاح يغزون٣ بها، والمسلمون ضامنون لها حتى يردُّوها عليهم إن كان باليمن كيدٌ أو غَدرةٌ؛ على أن لا تُهدَم لهم بِيعةٌ، ولا يُخرَج لهم قَسٌّ، ولا يُفتَنون عن دينهم، ما لم
(١) برقم (٣٠٤١) ــ ومن طريقه الضياء في "المختارة" (٩/ ٥٠٨) ــ من حديث السُّدِّي عن ابن عبّاس. وفي سماع السدي من ابن عباس نظر، ولكن له شواهد مرسلة تعضده، كما في التعليق على "زاد المعاد" (٣/ ١٨١، ٨٠١). ويُزاد عليها شاهد من "مغازي عروة" من رواية ابن لهيعة عن أبي الأسود عنه، أخرجه أبو عبيد في "الأموال" (٥١٩).
(٢) في المطبوع: "وعلى" خلاف ما في الأصل والسنن.
(٣) في المطبوع: "يقرون" تحريف.
يُحدِثوا حَدَثًا أو يأكلوا الربا.
وهو صريحٌ في أن أهل الذمة إذا أحدثوا في الإسلام أو لم يلتزموا ما شرطوا عليهم فلا ذمةَ لهم، وقد دلَّ على ذلك القرآن والسنة واتفاق الصحابة ﵃، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى١.
قال الزهري: أول من أعطى الجزيةَ أهلُ نجران، وكانوا نصارى٢، وقد أُخذ منهم الحُلَل.
وكان عمر بن الخطاب ﵁ يأخذ النَّعَم في الجزية٣.
وكان علي بن أبي طالب ﵁ يأخذ الجزية من كل ذي صَنْعةٍ من متاعه؛ من صاحب الإبَرِ إبرًا، ومن صاحب المسالِّ مَسَالَّ٤، ومن صاحب الحبال حبالًا، ثم يدعو الناس فيعطيهم الذهب والفضة فيقتسمونه، ثم يقول: خذوا فاقتسِموا، فيقولون: لا حاجةَ لنا فيه، فيقول: أخذتم خياره وتركتم
(١) في الفصل السادس من الشروط العمرية في آخر الكتاب.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) كما في "الأم" (٣/ ٢٢٦) و"الأموال" لأبي عبيد (١٢٢) و"السنن الكبير" للبيهقي (٧/ ٣٥) من حديث مالك ــ وهو في "الموطأ" برواية محمد (٣٣٤) ــ عن زيد بن أسلم عن أبيه. وإسناده صحيح.
(٤) كذا في الأصل وموضع من كتاب "الأموال" وسائر المصادر، و"المَسالُّ" جمع المِسلَّة، وهي الإبرة العظيمة الضخمة، ويؤيده العطف على صاحب الإبر. وفي المطبوع وموضع من كتاب "الأموال": "المَسانّ" جمع المِسَنٍّ، وهو آلة السَنِّ أي: آلة تحديد السكين ونحوه.