وعليها فتح الصحابةُ الفتوح ونصروا الإسلام، فما لأعداء الله الذين ضُرِبَت عليهم الذِّلَّةُ ولِركوبها؟! وقد قال عمر بن الخطاب ﵁: لا تُعِزُّوهم وقد أَذلَّهم الله، ولا تُقرِّبوهم وقد أقصاهم١.
فصل
قالوا: (ولا نتقلد السيوف).
يمنع أهل الذمة من تقلُّد السيوف لما بين كونهم أهلَ ذمةٍ وكونهم يتقلَّدون السيوف من التضادِّ، فإنَّ السُّيوف عِزٌّ لأهلها وسلطان، وقد قال رسول الله ﷺ: «بُعِثْتُ بالسيف بين يدي الساعة حتى يُعبَد اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وجُعِل رِزقِي تحت ظِلِّ رُمحي، وجُعِل الذلُّ والصَّغارُ على مَن خَالَف أمري، ومَن تشبَّه بقوم فهو منهم»٢، فبالسيف الناصر والكتاب الهادي عَزُّ الإسلامُ وظهر في مشارق الأرض ومغاربها.
وهو قضيب الأدب، وفي صفة رسول الله ﷺ في الكتب المتقدمة: «بيده قضيب الأدب»٣، فبعث الله رسوله ليَقهَرَ به أعداءه ومَن خالف أمره، فالسيف من أعظم ما يُعتمَد في الحرب عليه ويُرهَّب به العدو، وبه ينصر
الدين ويُذِلُّ الله الكافرين، والذِّمِّي ليس من أهل حمله والعِزِّ به.
وكذلك يمنع من اتخاذ أنواع السلاح وحملها على اختلاف أجناسها كالقوس والنشَّاب والرُّمح، وما يُتقَّى١ بأسُه. ولو مُكِّنوا من هذا لأفضى إلى اجتماعهم على قتال المسلمين وحِرابهم.
قال أبو القاسم الطبري: ومن جرَت عادته بالركوب منهم مِن دَهاقينهم٢ ونحوهم، فإنَّه يجوز له الركوب إذا أَذِن له الإمام فيركب البغلة والحمار على إكافٍ من غير لجامٍ ولا حَكَمةٍ ولا سُفْرٍ٣ ولا مركبٍ محلًّى بذهب [أو] فضةً٤، كما سنَّ أمير المؤمنين ﵁ لهم حيث قالوا: (ولا نتشبه بالمسلمين في مراكبهم).
فصل
قال [علي بن] عبد العزيز٥: حدثنا القاسم، حدثنا النَّضْر بن إسماعيل، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن خليفة بن قيس قال: قال عمر:
(١) في المطبوع: «يبقى»، خطأ. أخشى أن يكون الصواب: «ما يَقي بأسَه»، أي: يُمنع من اتخاذ السلاح ومِن اتخاذ ما يقي بأسَه، كالدرع، والمِجن، والمِغفَر، ونحوه.
(٢) جمع: دُِهقان (بالكسر والضم)، يُطلق على رئيس القرية، وزعيم الفلَّاحين، والتاجر.
(٣) في الأصل: «تفر»، تصحيف. و«السُّفْر» جمع سِفار: ما يكون من الحديدة في أنف البعير، بمنزلة الحكمة من الفرس.
(٤) في الأصل: «ذهب فضة»، وكُتب عليه «كذا» بالحمرة.
(٥) أبو القاسم البغوي، راوي كتاب «الأموال» للقاسم بن سلَّام، والأثر فيه برقم (١٤٥)، وعن علي البغوي رواه ابن المنذر في «الأوسط» (٦/ ١٣). ولعل المؤلف صادر عن كتاب هبة الله الطبري، فقد سبق (ص ٣٥٣) أن نقل منه أثرًا رواه من طريق أبي عُبيد.