أحكام أهل الذمة

فيُمنعون من لبسه ولا يمكَّنون.

قلت: هذا موضع يحتاج إلى بيان وتفصيل، وهو أنَّ لباس أهل الذمة الذي يتميَّزون به عن المسلمين نوعان:

نوع مُنعوا منه لشرفه وعلوه، فهذا لا يختلف باختلاف العوائد.

ونوع منعوا منه ليتميزوا به عن المسلمين، فإذا هجره المسلمون وصار من شعار الكفار لم يُمنَعوا منه. فمن ذلك لباس الأصفر والأزرق لمَّا صار من شعارهم فوق الرؤوس والمسلمون لا يلبسونه= لم يمنع منه أهل الذمة. فإنَّ المقصود بالغيار ما يميِّزهم به عن المسلمين بحيث يُعرَفون أنَّهم من أهل الذِّمَّة والذِّلَّة.

وقد تقدَّم١ حديث خالد بن عُرفُطة قال: كتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى الأمصار أن تُجَزَّ نواصيهم ــ يعني النصارى ــ ولا يَلبَسوا لبسة المسلمين حتى يُعرَفوا.

فصل

قال أبو القاسم الطبري: وأمَّا المرأة إذا خرجت فيكون أحد خُفَّيْها أحمر حتى يُعرَف بأنَّها ذِمِّيَّةٌ.

وقد روى هشام بن الغاز عن مكحول وسليمان بن موسى أنَّ عمر كتب إلى أهل الشام: امنعوا نساءهم أن يدخلن مع نسائكم الحمَّامات٢.

  1. (١) (ص ٣٧٣).
  2. (٢) لم أجده من هذا الوجه. وقد أخرج عبد الرزاق (١١٣٤) وسعيد بن منصور (١٥٨٠ - تفسير) والطبري في «تفسيره» (١٧/ ٢٦٥) عن هشام بن الغاز عن عُبادة بن نُسيٍّ قال: كتب عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة بن الجراح: أما بعد، فقد بلغني أن نساء المسلمين يدخلن الحمامات ومعهن نساء أهل الكتاب، فامنع ذلك، وحُلْ دُونَه.
400

وقال أحمد بن حنبل: أكره أن يطَّلع أهلُ الذمة على عورات المسلمين١.

قال أبو القاسم: وهذا صحيح، إنَّ نساء أهل الذمة لَسْنَ بثقاتٍ على شيء من أمور المسلمين، فلا يُؤمَن الفساد. وقد نهى رسول الله ﷺ أن تباشر [المرأة] المرأة فتَنعَتَها لزوجها حتى كأنه ينظر إليها٢. يعني: فيفضي ذلك إلى وصف الذمِّيَّة المسلمةَ لزوجها الذميِّ حتى كأنَّه يشاهدها، فكره أحمد لهذا المعنى.

قال: وقد رُوِي كراهتُه عن عبد الله بن بُسْر٣، وهو من أعلى٤

  1. (١) انظر: «الجامع» (٢/ ٤٥٨).
  2. (٢) أخرجه البخاري (٥٢٤٠) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.
  3. (٣) في الأصل: «بشر»، وليس في التابعين من أهل الشام أحد بهذا الاسم، وقد جاء بالسين المهملة في الموضع الآتي. والكراهة إنما رويت بالإسناد الآتي عن عُبادة بن نُسيٍّ الكندي الأردني، أحد سادات التابعين في الشام. أما «عبد الله بن بُسر» فهناك اثنان في الشام بهذا الاسم في عصر التابعين، أحدهما تابعي صغير، وهو ضعيف ولا يصدق عليه وصف أبي القاسم بأنه من «أعلى [لعله: أعلم] التابعين من أهل الشام». والثاني هو عبد الله بن بُسر المازني الحِمْصي، وهو يصدق عليه ذلك لولا أن له صحبةً يسيرةً وهو صغير. وأيًّا كان، فثَمَّ خلط أو تصحيف ــ أو هما معًا ــ في الاسم الواقع في كلام أبي القاسم وفي إسناده الآتي.
  4. (٤) كذا، ولعله تصحيف عن «أعلم».
401

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي