وقال أحمد بن حنبل: أكره أن يطَّلع أهلُ الذمة على عورات المسلمين١.
قال أبو القاسم: وهذا صحيح، إنَّ نساء أهل الذمة لَسْنَ بثقاتٍ على شيء من أمور المسلمين، فلا يُؤمَن الفساد. وقد نهى رسول الله ﷺ أن تباشر [المرأة] المرأة فتَنعَتَها لزوجها حتى كأنه ينظر إليها٢. يعني: فيفضي ذلك إلى وصف الذمِّيَّة المسلمةَ لزوجها الذميِّ حتى كأنَّه يشاهدها، فكره أحمد لهذا المعنى.
قال: وقد رُوِي كراهتُه عن عبد الله بن بُسْر٣، وهو من أعلى٤
(١) انظر: «الجامع» (٢/ ٤٥٨).
(٢) أخرجه البخاري (٥٢٤٠) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.
(٣) في الأصل: «بشر»، وليس في التابعين من أهل الشام أحد بهذا الاسم، وقد جاء بالسين المهملة في الموضع الآتي. والكراهة إنما رويت بالإسناد الآتي عن عُبادة بن نُسيٍّ الكندي الأردني، أحد سادات التابعين في الشام. أما «عبد الله بن بُسر» فهناك اثنان في الشام بهذا الاسم في عصر التابعين، أحدهما تابعي صغير، وهو ضعيف ولا يصدق عليه وصف أبي القاسم بأنه من «أعلى [لعله: أعلم] التابعين من أهل الشام». والثاني هو عبد الله بن بُسر المازني الحِمْصي، وهو يصدق عليه ذلك لولا أن له صحبةً يسيرةً وهو صغير. وأيًّا كان، فثَمَّ خلط أو تصحيف ــ أو هما معًا ــ في الاسم الواقع في كلام أبي القاسم وفي إسناده الآتي.
(٤) كذا، ولعله تصحيف عن «أعلم».
التابعين من أهل الشام. ثم ساق من طريق عيسى بن يونس، عن أبي إسحاق، عن هشام بن الغاز: أن عبد الله بن بُسْر كَرِه أن تَقْبَل النصرانيةُ وأن تَرى عورتها١.
قلت: أحمد احتجَّ بقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ إلى أن قال: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾[النور: ٣١]، فخصَّ نساء المسلمات بجواز إبداء الزينة لهن دون الكوافر٢.
ثم ذكر أحمد هذا الأثر، فعنده في إحدى الروايتين أنَّ المسلمة مع الكافرة كالأجنبي٣ الذي ينظر إلى [ما] تدعو إليه الحاجة، والله أعلم.
فصل
قالوا: (ولا نتكلم بكلامهم).
هذا الشرط في أهل الكتاب الذين لغتهم غير لغة [العرب]، كنصارى الشام والجزيرة إذ ذاك وغيرهما من البلاد، دون نصارى العرب الذين لم تكن لغتهم غير العربية.
(١) وأخرجه أيضًا سعيد بن منصور (١٥٧٧ - تفسير) والطبري (١٧/ ٢٦٥)، كلاهما من طريق عيسى بن يونس، عن هشام بن الغاز، عن عبادة بن نُسيٍّ أنه كره أن تقبل النصرانيةُ المسلمةَ أو ترى عورتها، ويتأول: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾[النور: ٣١]. ومعنى «تَقْبَل النصرانية»: أن تكون قابلةً، وهي التي تتلقَّى الولد عند الولادة.