مع ما في تمكينهم من التكلُّم بها من المفاسد التي منها جَدَلُهم١ فيها واستطالتهم على المسلمين، كما سبق [أنْ] وقع لابن المقفَّع٢ لمَّا حذق في العربية وكان مجوسيًّا، فطفق يَغْمِص الإسلامَ وأهله، ثم لما خاف المسلمين٣ أظهر الإسلام. [و] كالصابئ الكاتب٤ الذي علا المسلمين في كتابته وترسُّله، ثم هجا العرب في قصيدة له مشهورة ومَدَح عبَّاد الكواكب من الصابئة والمجوس. ونظائرهما كثيرٌ، فلو لم يكن في تعلُّم الكفار العربيةَ إلا هذه المفسدة وحدَها لكان ينبغي أن يُمنَعوا منها لأجلها.
فصل
قالوا: (ولا ننقش خواتيمنا بالعربية).
وهذا يحتمل أمورًا:
أحدها: أن يريد منعهم السبيل إلى الكتابة بالعربية بحالٍ حتى في نقش الخواتيم، فلا يستعلون٥ على المسلمين.
(١) في الأصل: «جدفهم»، ولعله تصحيف عن المثبت.
(٢) في الأصل والمطبوع: «لابن البيِّع»! والظاهر أنه تصحيف عن المثبت. ومعروف أن ابن المقفَّع كان مجوسيًّا ثم أسلم، وقد اتُّهِم بالزندقة. انظر: «السير» (٦/ ٢٠٨) و«لسان الميزان» (٥/ ٢١).
(٣) في الأصل: «المسلمون»، خطأ.
(٤) الظاهر أن المراد: أبو إسحاق، إبراهيم بن هلال الحرَّاني، الصابئ المشرك، صاحب الترسُّل البديع، والإنشاء البليغ. مات ٣٨٤، وقيل: قتله عضُد الدولة لما في تاريخه الذي ألَّفه من الأكاذيب والأباطيل. انظر: «السير» (١٦/ ٥٢٣).
(٥) في الأصل: «فيعلمون»، والمثبت من نشرة صبحي الصالح ﵀.
وثالثها١: أنَّهم ربما توسلوا بذلك إلى مفاسدَ يعود ضررُها على المسلمين.
ورابعها: أنَّ في ذلك تشبُّهًا بالمسلمين في نقش خواتيمهم.
وقد روى أبو داود٢ وغيره أنَّ النبي ﷺ نهى أن ينقش الرجل على خاتمه عربيًّا.
وحُمل هذا النهي على نقش [مثل نقشه]٣، يعني: وهو الذي نُقش على خاتم النبي ﷺ، وهو: «محمد رسول الله»؛ نهى أن ينقش أحدٌ مثل ذلك على خاتمه لما في الاشتراك في ذلك النقش من المفسدة.
ويدلُّ عليه الحديث الآخر أنَّ رسول الله ﷺ اتخذ خاتمًا من فضةٍ ونقش عليه «محمد رسول الله»، ونهى أن ينقش أحدٌ مثل نقشه٤، فلعلَّ الراوي
(١) كذا في الأصل، وكتب عليه «كذا» بالحمرة.
(٢) ليس عند أبي داود، وإنما أخرجه أحمد (١١٩٥٤) ومسدَّد ــ ومن طريقه البيهقي (١٠/ ١٢٧) ــ والنسائي (٥٢٠٩) وغيرهم من حديث أزهر بن راشد عن أنس ﵁ مرفوعًا. إسناده ضعيف لجهالة أزهر بن راشد. وله طريق آخر عن أنس عند البخاري في «التاريخ الكبير» (٤/ ١٦)، وهو ضعيف لجهالة بعض رواته أيضًا. وقد صحَّ عن أنس: أن عمر نهى عن ذلك، فقد أخرج ابن أبي شيبة (٢٥٦٢٥) والبخاري في «التاريخ الكبير» (١/ ٤٥٥) بإسناديهما عن قتادة عن أنس أن عمر قال: لا تنقشوا ولا تكتبوا في خواتمكم بالعربية. لفظ ابن أبي شيبة.
(٣) زيادة لازمة لإقامة السياق.
(٤) أخرجه مسلم (٢٠٩١، ٢٠٩٢) من حديث عبد الله بن عمر وحديث أنس ﵃.