أخبرني محمد١ بن علي، حدثنا مُهَنَّا قال: سألت أحمد: هل يصلح تكنِّي٢ اليهودي والنصراني؟ فحدثني أحمد، عن ابن عيينة، عن أيوب، عن يحيى بن أبي كثير أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ قال لنصراني: أسلم يا أبا حسان، أَسلِم تَسْلَم٣.
قلت: ومدار هذا الباب وغيره ممَّا تقدَّم على المصلحة الراجحة، فإن كان في كنيته، [و] تمكينه من اللباس وترك الغيار، والسلام عليه أيضًا، ونحوِ ذلك تأليفًا٤ له، ورجاءَ إسلامه وإسلام غيره= كان فعله أولى، كما يُعطِيه من مال الله لتألُّفه على الإسلام، فتألُّفه بذلك أولى. وقد ذكر وكيعٌ عن ابن عباس أنَّه كتب إلى رجل من أهل الكتاب: سلامٌ عليك٥.
ومَن تأمَّل سيرة النبي ﷺ وأصحابه في تأليفهم الناسَ على الإسلام بكلِّ
(١) في الأصل: «علي»، تصحيف.
(٢) هذا مقتضى النقط في الأصل، ويصح: «نكني» كما في مطبوعة «الجامع».
(٣) لم أجده عند غيره. وهو مرسل، يحيى بن أبي كثير لم يُدرك عمر.
(٤) كذا في الأصل على توهُّم كونه خبر «كان».
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٦٢٦٢) والخلال في «الجامع» (٢/ ٤٦٧) عن ابن عباس بإسنادٍ فيه رجل مبهم. وأخرجه ابن حبَّان (٦٥٥٦) من طريق آخر ــ رواته كلُّهم ثقات ــ عن ابن عباس مرفوعًا أن النبي ﷺ كتب إلى حبر تَيماء فسلَّم عليه. وهذا الرفع وهم من بعض الرواة، فإن الذي كتب إلى الحَبْرِ ابنُ عباس، كتب إليه يسأله عن بعض الآيات كيف تفسيرها في أسفارهم، كما جاء مطوَّلًا عند سعيد بن منصور (٨٩٨ - تفسير) والطبري (٩/ ٤٣٨) وابن أبي حاتم (٣/ ٧٦١).
طريقٍ تبيَّن له حقيقة الأمر، وعلم أنَّ كثيرًا من هذه الأحكام التي ذكرناها من الغيار وغيره تختلف باختلاف الزمان والمكان والعجز والقدرة والمصلحة والمفسدة.
ولهذا لم يغيِّرهم النبي ﷺ ولا أبو بكر ﵁، وغيَّرهم عمر ﵁. والنبي ﷺ قال لأسقف نجران: «أَسلِم يا أبا الحارث» تأليفًا له واستدعاءً لإسلامه، لا تعظيمًا له وتوقيرًا.
فصل
وأمَّا أن يخاطب بسيدنا ومولانا ونحوِ ذلك فحرامٌ قطعًا. وفي الحديث المرفوع: «لا تقولوا للمنافق سيِّدنا، فإن يكنْ سيِّدَكم فقد أَغضَبتُم ربَّكم»١.
وأمَّا تلقيبهم بمُعِزِّ الدَّولة وعَضُد الدَّولة ونحو ذلك فلا يجوز، [كما أنَّه لا يجوز]٢ أن يُسمَّى سديدًا ولا رشيدًا ولا مؤيَّدًا ولا صالحًا ونحو ذلك.
ومن تَسمَّى بشيء من هذه الأسماء لم يَجُز للمسلم أن يدعوه به، بل إن
(١) أخرجه أحمد (٢٢٩٣٩) والبخاري في «الأدب المفرد» (٧٦٠) وأبو داود (٤٩٧٧) والنسائي في «الكبرى» (١٠٠٠٢) وغيرهم من حديث قتادة، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه. رواته ثقات إلا أن قتادة لا يُعرَف له سماعًا من عبد الله بن بريدة، كما قال البخاري في «التاريخ الكبير» (٤/ ١٢) وغيرُه. وتابع قتادةَ عقبةُ بن عبد الله الأصم عند الحاكم (٤/ ٣١١)، ولكن عقبة هذا ليس بثقة، ولعله أخذه عن قتادة فدلَّسه، فهو ممن يروي عن قتادة.
(٢) ما بين الحاصرتين زاده صبحي الصالح لإقامة السياق، والظاهر أنه سقط من الأصل نحوُها لانتقال النظر.