وقال وكيعٌ، عن سفيان، عن عمَّارٍ الدُّهني، عن رجل، عن كُرَيب، عن ابن عباس أنَّه كتب إلى رجل من أهل الكتاب: سلامٌ عليك١.
قلت: إن ثبت هذا عن ابن عباس، وهو راوي حديث أبي سفيان أنَّ النبي ﷺ كتب إلى قيصر: «سلامٌ على من اتبع الهدى» = فلعلَّه ظنَّ أنَّ ذلك مكاتبةُ أهل الحرب ومَن ليس له ذِمَّةٌ.
وأما قول النبي ﷺ: «لا تَبدؤوهم بالسلام»، فهو في واقعةٍ معينة؛ قال: «إني ذاهب إلى يهود فلا تبدؤوهم بالسلام»٢، وهذا لمَّا ذهب إليهم ليُحارِبهم وهم يهود قريظة، فأمر أن لا يبدؤوا بالسلام لأنَّه أمانٌ وهو قد ذهب لحربهم، سمعت شيخنا يقول ذلك.
ولكن في الحديث الصحيح: «لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسَّلام، وإذا سلَّم عليكم أحدُهم فقولوا: وعليكم»٣. وقد تقدَّمت هذه المسألة٤.
(١) تقدم تخريجه (ص ٤٠٩).
(٢) «فهو في واقعة ... بالسلام» سقط من المطبوع. والحديث أخرجه أحمد (٢٧٢٣٦) والبخاري في «الأدب المفرد» (١١٠٢) وابن أبي شيبة (٢٦٢٧٨) والطبراني في «الكبير» (٢/ ٢٧٧، ٢٧٨) من حديث أبي بَصرة الغِفاري ﵁ بإسناد صحيح.
(٣) لم أجده بهذا السياق. وموضع الشاهد منه ــ وهو أوَّله ــ قد أخرجه أحمد (٧٦١٧) مسلم (٢١٦٧) وغيرهما من حديث أبي هريرة ﵁ بلفظ: «لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطرُّوه إلى أضيقه».
(٤) (١/ ٢٦٩ - ٢٨١).
وإذا كتب إلى الذمي بدأ بنفسه قبله، فيقول: من فلانٍ إلى فلانٍ. وله أن يعظِّمه بالنسبة إلى قومه فيقول: كبير قومه ورئيسهم، وله أن يدعو له بالهداية فقد كانت اليهود تتعاطس عند النبي ﷺ ليقول لأحدهم: «يرحمك الله»، فكان يقول: «يهديكم الله»١.
فصل
قالوا: (ونُوقِّر المسلمين في مجالسهم، ونقوم لهم عن المجالس، ولا نطَّلع عليهم في منازلهم، ونُرشِد الطريق).
هذه أربعة أمور:
أحدها: توقير المسلمين في مجالسهم، والتوقير: التعظيم والاحتشام لهم، ولا يمكرون عليهم بمكر، ولا يدخلون عليهم بغير استئذان، ولا يفعلون بين أيديهم ما يُخِلُّ بالوقار والأدب، ويُحيُّونهم بتحيَّة أمثالهم، ولا يمُدُّون أرجلَهم بحضرتهم، ولا يرفعون أصواتهم بين أيديهم، ونحو ذلك.
الثاني: قولهم: (ونقوم لهم عن المجالس)، أي إذا دخلوا ونحن في مجلس قُمنا لهم عنه وأجلسناهم فيه، فيكون لهم صدره ولنا أدناه. وهذا يعُمُّ المجالس المشتركة والمختصة بهم، فإذا دخلوا عليهم دُورهم وكنائسهم قاموا لهم عن مجالسهم وأجلسوهم فيها.
(١) أخرجه أحمد (١٩٥٨٦) والبخاري في «الأدب المفرد» (٩٤٠، ١١١٤) وأبو داود (٥٠٣٨) والترمذي (٢٧٣٩) والنسائي في «الكبرى» (٩٩٩٠) والحاكم (٤/ ٢٦٨) وغيرهم من حديث أبي موسى الأشعري ﵁. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وانظر: «أنيس الساري» (٢٧٠١).