فيؤخذ من عُروضه بقدر ما عليه من الجزية، هذه سنة رسول الله ﷺ وخلفائه التي لا مَعدلَ عنها. فقد تبيَّن أن الجزية غير مقدَّرةٍ بالشرع تقديرًا لا يقبل الزيادة والنقصان، ولا معيَّنة الجنس.
قال الخلال٢: العمل في قول أبي عبد الله على ما رواه الجماعة أنه لا بأسَ للإمام أن يزيد في ذلك وينقص، على ما رواه عنه أصحابه٣ في عشرة مواضع، فاستقرَّ قوله على ذلك.
وهذا قول سفيان الثوري وأبي عبيد وغيرهم من أهل العلم.
وأول من جعل الجزية على ثلاث طبقاتٍ عمر بن الخطاب ﵁، جعلها على الغني ثمانيةً وأربعين درهمًا، وعلى المتوسط أربعةً وعشرين، وعلى الفقير اثني عشر٤. وصالحَ بني تغلبَ على مثلَيْ ما على المسلمين من الزكاة٥.
(١) أخرجه أبو عبيد في "الأموال" (١٢١ واللفظ له، ٩٣٩) وابن زنجويه (١٧٥) وابن أبي شيبة (٣٣٥٧١) بإسناد جيِّد.
(٢) في "الجامع" (١/ ١٦٩). والمؤلف صادر عن "المغني" (١٣/ ٢١٠).
(٣) بعدها في المطبوع: "معينة الجنس"، ومكانها الصحيح قبل سطرين.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة (١٠٨٢٥) وأبو عبيد في "الأموال" (١٠٦، ١٠٧) وابن زنجويه (١٥٧، ١٥٨، ٢٥٨، ٢٦١) من طرق.
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة (١٠٦٨٤) وأبو عبيد (٧٢، ٧٤، ١٤٩٩، ١٥٠٠).
وهذا يدلُّ على أنها إلى رأي الأمام، ولولا ذلك لكانت على قدرٍ واحدٍ في جميع المواضع، ولم يجُزْ أن تختلف.
وقال البخاري١: قال ابن عيينة: عن ابن أبي نَجيحٍ قلت لمجاهدٍ: ما شأن أهل الشام عليهم أربعة دنانير، وأهل اليمن عليهم دينارٌ؟ قال: جُعل ذلك من أجل اليسار.
وقد زادها عمر أيضًا على ثمانيةٍ وأربعين فصيَّرها خمسين درهمًا٢.
واحتجَّ الشافعي٣ رحمه الله تعالى بأن الواجب دينارٌ على الغني والفقير والمتوسط بأن النبي ﷺ قدَّرها بذلك في حديث معاذٍ ﵁، وأمره أن يأخذ من كل حالمٍ دينارًا، ولم يُفرِّق بين غني وفقيرٍ، ولا٤ جعلهم ثلاث طبقاتٍ، وسنةُ رسول الله ﷺ أحقُّ أن تُتَّبع من اجتهاد عمر.
ونازعه الجمهور في ذلك وقالوا: لا منافاةَ بين سنة رسول الله ﷺ وبين ما فعله عمر ﵁، بل هو من سنته أيضًا. وقد قرنَ رسول الله ﷺ بين سنته وسنة خلفائه في الاتباع٥، فما سنَّه خلفاؤه فهو كسنَّتِه في الاتباع. وهذا
(١) في "صحيحه" (كتاب الجزية) وقد تقدم.
(٢) أخرجه أبو عبيد (١٠٨) ــ وعنه ابن زنجويه (١٥٩) ــ وأبو القاسم البغوي في "مسند ابن الجعد" (١٤٨) والبيهقي في "الكبير" (٩/ ١٩٦).
(٣) انظر: "الأم" (٥/ ٤٢٥ وما بعدها)، و"المغني" (١٣/ ٢١١).
(٤) "لا" ساقطة من المطبوع.
(٥) في حديث العرباض بن سارية الذي أخرجه أبو داود (٤٦٠٧) والترمذي (٢٦٧٦) وغيرهما، وصححه الترمذي وابن حبان (٥) والحاكم (١/ ٩٥).