أحكام أهل الذمة

والثاني: في حقَّ المسلمين تعُمُّ أهل القرى والأمصار، وفي حقَّ الكفار تختصُّ بأهل القرى.

قال في رواية أبي الحارث: الضيافة تجب على كل مسلم، من كان من أهل الأمصار وغيرهم من المسلمين.

وقال في موضع آخر: تجب الضيافة على المسلمين كلهم، من نزل به ضيفٌ عليه أن يضيفه.

والفرق بينهما أنَّ عمر ﵁ شرط ذلك على أهل القرى، والأخبار الواردة في حقِّ المسلمين عامَّةٌ لقوله: «ليلة الضيف حقٌ واجبٌ»، وفي لفظ آخر: «الضيافة ثلاثة أيام»١.

وتجب الضيافة على المسلم للمسلمين والكفار لعموم الخبر، وقد نصَّ عليه أحمد في رواية حنبل وقد سأل: إن أضاف الرجل ضيفٌ من أهل الكفر يضيفه؟ فقال: قال رسول الله ﷺ: «ليلة الضيف حقٌ واجبٌ على كل مسلم»، دلَّ على أنَّ المسلم والمشرك يُضاف، والضيافة معناها معنى الصدقة: التطوُّع على المسلم والكافر. وهذا لفظ أحمد، فقد احتجَّ بعموم الخبر، وأنَّه يعُمُّ المسلم والكافر.

وإذا نزل به الضيف ولم يضفه كان دينًا على المضاف، نصَّ عليه في رواية حنبلٍ فقال: إذا نزل القوم فلم يضافوا، فإن شاء طلبه وإن شاء ترك. قال له: فكم مقدار ما يُقدَّر له؟ قال: ما يمونه في الثلاثة الأيام، واليوم والليلة حقٌّ واجبٌ. قال له: فإن لم يضيفوه ترى له أن يأخذ من أموالهم بمقدار ما

  1. (١) سبق تخريجهما آنفًا.
426

يضيفه؟ قال: لا يأخذ إلا بعلم أهله، وله أن يطالبهم بحقه.

فقد نصَّ على أنَّ له المطالبة بذلك. وهذا يدلُّ على ثبوته في ذمَّته لقوله ﷺ في حديث أبي كريمة: «فإن أصبح بفنائه فهو دَينٌ عليه إن شاء اقتضى وإن شاء يترك»١. ومَنَع من أن يأخذ من مال مَن تجب عليه الضيافة بغير إذنه بناء على أصله٢، لأن مَن كان له على رجل حقٌّ وامتنع من أدائه، وقَدَر له على حقٍّ= لم يجُزْ له أن يأخذ بغير إذنه. انتهى٣.

فأمَّا قوله: «إن اليوم والليلة حقٌ واجبٌ، والثلاثة مستحبةٌ»، فهذا صحيح في حقِّ المسلمين. وأمَّا في حقِّ أهل الذمَّة فلا يمكن أن يقال ذلك، فإنَّ الثلاثة إن كانت مشروطةً عليهم فهي حقٌّ لازمٌ عليهم القيامُ به للمسلمين، وإن لم تكن مشروطةً عليهم لم يجُزْ للمسلمين تناوُلُ ما زاد على اليوم والليلة إلا برضاهم. وحينئذ لا فرقَ بين الثلاثة وما زاد عليها.

وعمر ﵁ لم يشرط على طائفة معيَّنة٤، بل شرط على نصارى الشام والجزيرة وغيرها. ففي شرطه على نصارى الشام والجزيرة: ضيافةُ ثلاثة أيام ليسارهم وإطاقتهم ذلك. وأمَّا نصارى السَّوَاد فشرط عليهم يومًا وليلةً،

  1. (١) سبق.
  2. (٢) في الأصل والمطبوع: «أهله»! فرام صبحي الصالح إصلاح العبارة فجعلها: «إلا بعلم أهله».
  3. (٣) أي: كلام القاضي من «الأحكام السلطانية».
  4. (٤) أي لم يشرطه على أهل القرى دون الأمصار، أو أهل السواد دون المدن، كما ادَّعاه القاضي.
427

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي