أحكام أهل الذمة

يضيفه؟ قال: لا يأخذ إلا بعلم أهله، وله أن يطالبهم بحقه.

فقد نصَّ على أنَّ له المطالبة بذلك. وهذا يدلُّ على ثبوته في ذمَّته لقوله ﷺ في حديث أبي كريمة: «فإن أصبح بفنائه فهو دَينٌ عليه إن شاء اقتضى وإن شاء يترك»١. ومَنَع من أن يأخذ من مال مَن تجب عليه الضيافة بغير إذنه بناء على أصله٢، لأن مَن كان له على رجل حقٌّ وامتنع من أدائه، وقَدَر له على حقٍّ= لم يجُزْ له أن يأخذ بغير إذنه. انتهى٣.

فأمَّا قوله: «إن اليوم والليلة حقٌ واجبٌ، والثلاثة مستحبةٌ»، فهذا صحيح في حقِّ المسلمين. وأمَّا في حقِّ أهل الذمَّة فلا يمكن أن يقال ذلك، فإنَّ الثلاثة إن كانت مشروطةً عليهم فهي حقٌّ لازمٌ عليهم القيامُ به للمسلمين، وإن لم تكن مشروطةً عليهم لم يجُزْ للمسلمين تناوُلُ ما زاد على اليوم والليلة إلا برضاهم. وحينئذ لا فرقَ بين الثلاثة وما زاد عليها.

وعمر ﵁ لم يشرط على طائفة معيَّنة٤، بل شرط على نصارى الشام والجزيرة وغيرها. ففي شرطه على نصارى الشام والجزيرة: ضيافةُ ثلاثة أيام ليسارهم وإطاقتهم ذلك. وأمَّا نصارى السَّوَاد فشرط عليهم يومًا وليلةً،

  1. (١) سبق.
  2. (٢) في الأصل والمطبوع: «أهله»! فرام صبحي الصالح إصلاح العبارة فجعلها: «إلا بعلم أهله».
  3. (٣) أي: كلام القاضي من «الأحكام السلطانية».
  4. (٤) أي لم يشرطه على أهل القرى دون الأمصار، أو أهل السواد دون المدن، كما ادَّعاه القاضي.
427

لأنَّ حالهم كان دون حال نصارى الشام والجزيرة. فكان عمر ﵁ يراعي في ذلك حال أهل الكتاب، كما كان يراعي حالهم في الجزية وفي الخراج، فبعضهم شرطها عليهم يومًا وليلةً وبعضهم شرطها عليهم ثلاثًا.

وأمَّا قوله: «إنهم إذا لم يقوموا بما عليهم وقَدَر لهم على مال لم يأخذه بناءً على مسألة الظفر»، فليس كذلك. والسُّنَّة قد فرَّقت بين هذا وبين مسألة الظفر التي١ لا يجوز الأخذ بها، لأنَّ٢ سبب الحقِّ هاهنا ظاهرٌ فلا ينسب الآخذ إلى خيانةٍ٣ لظهور حقِّه بخلاف ما إذا لم يكن ظاهرًا٤.

ولهذا أفتى النبي ﷺ هِندًا بأن تأخذ من مال زوجها ما يكفيها وولدها بالمعروف٥، كما جوَّز للضيف أن يأخذ مثل قِرَاه إذا لم يُضيَّف٦. فجاءت السنة بالأخذ في هذين الموضعين، وجاءت بالمنع لمَن سأله: أنَّ لنا جيرانًا لا يدعون لنا شاذَّةً ولا فاذَّةً٧ إلا أخذوها، أفنأخذ من أموالهم؟ الحديث٨.

  1. (١) في الأصل: «الذي».
  2. (٢) في الأصل: «ان»، وقد سبق مثله غير مرَّة.
  3. (٣) في الأصل والمطبوع: «جناية»، والمثبت هو الصواب.
  4. (٤) وقد بحث المؤلف هذه المسألة أيضًا في «إغاثة اللهفان» (٢/ ٧٦٩ - ٧٧٨).
  5. (٥) أخرجه البخاري (٢٢١١) ومسلم (١٧١٤) من حديث عائشة أم المؤمنين ﵂.
  6. (٦) كما في حديث عقبة بن عامر عند البخاري (٢٤٦١) ومسلم (١٧٢٧) بلفظ: «إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا، فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حقَّ الضيف الذي ينبغي لهم».
  7. (٧) في الأصل والمطبوع: «سادة ولا قادة»، تحريف.
  8. (٨) أخرجه عبد الرزاق (٦٨١٨) من حديث دَيسَم السَّدُوسي عن بشير ابن الخصاصية أنهم سألوا نبي ﷺ: «إنَّ لنا جيرة من بني تميم لا تَشِذُّ لنا شاةٌ إلا ذهبوا بها، وإنها تخفى لنا من أموالهم أشياء، أفنأخذها؟ قال: لا». في إسناده لين لجهالة دَيسم، ثم قد اختلف في رفعه ووقفه، فقد أخرجه أحمد (٢٠٧٨٥) وأبو داود (١٥٨٦ مختصرًا دون موضع الشاهد) عن دَيسم أنهم سألوا بشيرًا ذلك فأجابهم.
428

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي