أحكام أهل الذمة

وقال١: «أدِّ الأمانة إلى مَن ائْتَمَنك ولا تخُنْ مَن خَانَك»٢.

فمنع هاهنا وأطلق هناك، وكان الفرق بينهما من وجهين:

أحدهما: ما ذكرناه من ظهور سبب الحق فيُعذَر الآخِذ٣، وخفائه فيُنسَب إلى الخيانة٤.

الثاني: أنَّ سبب الحقِّ يتجدَّد في مسألة النفقة والضيافة، فيشقُّ٥ أو

  1. (١) في الأصل والمطبوع: «فقال»، والمثبت الصواب لأن هذا حديث آخر غير السابق.
  2. (٢) أخرجه أحمد (١٥٤٢٤) وأبو داود (٣٥٣٤) وغيرهما من حديث رجل من أصحاب رسول الله ﷺ، وفي إسناده لين لإبهام ابن الصحابي الراوي عنه. وأخرجه أبو داود (٣٥٣٥) والترمذي (١٢٦٤) والحاكم (٢/ ٤٦) وغيرهم من حديث أبي هريرة ﵁. وقد استنكر أبو حاتم في «العلل» (١١١٤) روايته من هذا الطريق من حديث أبي هريرة. وروي من أوجهٍ أُخر لا تخلو من مقال. وقد أفاض المؤلف في ذكرها في «إغاثة اللهفان» (٢/ ٧٧٢ - ٧٧٥)، وقوَّى الحديث بمجموعها.
    وانظر: «سنن البيهقي» (١٠/ ٢٧١) و«العلل المتناهية» (٩٧٣ - ٩٧٥) و«التلخيص الحبير» (١٣٨١) و«المقاصد الحسنة» (٤٨) و«الصحيحة» (٤٢٣).
  3. (٣) في المطبوع: «لتعذُّر الأخذ»، تحريف أفسد السياق.
  4. (٤) في الأصل والمطبوع: «الجناية»، تصحيف.
  5. (٥) غير محرَّر في الأصل، يشبه: «» مُعلمًا عليه بالحمرة استشكالًا. وأثبت صبحي الصالح: «قياسًا»، ولعله بناءً على تصحيف «يتجدَّد» إلى «يتحدَّد» عنده. والمثبت يستقيم به السياق.
429

يمتنع الدعوى فيه كلَّ وقتٍ، والرفعُ إلى الحاكم، وإقامةُ البينة؛ بخلاف ما لا يتكرَّر١ سببه.

إذا عُرف هذا، فعمر ﵁ لم يشترط قدر الطعام والإدام والعلف، فلا يُشتَرط ذلك، وإنَّما يُرجَع فيه إلى عادة كلِّ قوم وعرفهم وما لا يشقُّ عليهم، فلا يجوز للضيف أن يكلِّفهم اللحم والدجاج وليس ذلك غالبَ قوتهم، بل يجب عليه أن يقبل ما يبذلونه من طعامهم المعتاد كما أوجب الله سبحانه الإطعام في الكفارة من أوسط ما يُطعِم المكفِّر أهلَه من غير تقدير، وكما أوجب النبي ﷺ النفقة على الزوجة والمملوك بالعرف من غير تقدير. فهذه سنته وسنة خلفائه في هذا الباب، وبالله التوفيق.

وهذه الضيافة قدرٌ زائدٌ على الجزية، ولا تلزمهم إلا بالشرط، ويكفي شرط عمر ﵁ على مَمَرِّ الأزمان سواءٌ شرطه عليهم مَن بعده من الأئمة أو لم يشرطه، لأنَّ شرطه سنَّةٌ مستمِرَّةٌ. ولهذا عمل به الأئمة بعده، واحتج الفقهاء بالشروط العمرية وأوجبوا اتباعها. هذا هو الصحيح، كما أنَّ شرطه عليهم في الجزية مستَمِرٌّ وإن لم يجدِّده عليهم إمامُ الوقت، وكذلك عقد الذمة لمَن٢ بلغ من أولادهم وإن لم يعقد لهم الإمام الذمة.

قال الشافعي٣: ويقسم الضيافةَ على عدد أهل الذمة، وعلى حسب

  1. (١) في الأصل والمطبوع: «ينكر»، تحريف.
  2. (٢) في الأصل: «أن»، تصحيف.
  3. (٣) انظر: «الأم» (٥/ ٤٧٥، ٦٩٥) و«مختصر المزني» (ص ٣٨٤ - ٣٨٥).
430

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي