أحكام أهل الذمة

يمتنع الدعوى فيه كلَّ وقتٍ، والرفعُ إلى الحاكم، وإقامةُ البينة؛ بخلاف ما لا يتكرَّر١ سببه.

إذا عُرف هذا، فعمر ﵁ لم يشترط قدر الطعام والإدام والعلف، فلا يُشتَرط ذلك، وإنَّما يُرجَع فيه إلى عادة كلِّ قوم وعرفهم وما لا يشقُّ عليهم، فلا يجوز للضيف أن يكلِّفهم اللحم والدجاج وليس ذلك غالبَ قوتهم، بل يجب عليه أن يقبل ما يبذلونه من طعامهم المعتاد كما أوجب الله سبحانه الإطعام في الكفارة من أوسط ما يُطعِم المكفِّر أهلَه من غير تقدير، وكما أوجب النبي ﷺ النفقة على الزوجة والمملوك بالعرف من غير تقدير. فهذه سنته وسنة خلفائه في هذا الباب، وبالله التوفيق.

وهذه الضيافة قدرٌ زائدٌ على الجزية، ولا تلزمهم إلا بالشرط، ويكفي شرط عمر ﵁ على مَمَرِّ الأزمان سواءٌ شرطه عليهم مَن بعده من الأئمة أو لم يشرطه، لأنَّ شرطه سنَّةٌ مستمِرَّةٌ. ولهذا عمل به الأئمة بعده، واحتج الفقهاء بالشروط العمرية وأوجبوا اتباعها. هذا هو الصحيح، كما أنَّ شرطه عليهم في الجزية مستَمِرٌّ وإن لم يجدِّده عليهم إمامُ الوقت، وكذلك عقد الذمة لمَن٢ بلغ من أولادهم وإن لم يعقد لهم الإمام الذمة.

قال الشافعي٣: ويقسم الضيافةَ على عدد أهل الذمة، وعلى حسب

  1. (١) في الأصل والمطبوع: «ينكر»، تحريف.
  2. (٢) في الأصل: «أن»، تصحيف.
  3. (٣) انظر: «الأم» (٥/ ٤٧٥، ٦٩٥) و«مختصر المزني» (ص ٣٨٤ - ٣٨٥).
430

الجزية التي شرطها، فيقسم ذلك بينهم على السواء. وإن كان فيهم المُوسِر والمتوسط والمُقِلُّ قسط الضيافة على ذلك.

قال الشافعي: ويَذكر ما يعلف به الدواب من التِّبن والشعير وغير ذلك.

قال: ويشترط عليهم أن ينزلوا في فضول منازلهم وكنائسهم ما يكنون فيه من الحَرِّ والبرد١ منها، لأن الضيف محتاجٌ إلى موضع يسكن فيه ويأوي إليه كما يحتاج إلى طعام يأكله.

فصل

ومن نزل بهم لم يخلُ من ثلاثة أحوال: إما أن ينزل بهم وهو مريضٌ، أو ينزل بهم وهو صحيح، أو ينزل بهم وهو صحيح فيمرض.

فإن نزل بهم وهو مريضٌ فبرئ فيما دون الثلاث، فهذا يجري مجرى الضيف. وكما يجب عليهم إطعام الضيف وخدمتُه، يجب عليهم القيام على المريض ومصالحه، فإنَّه أحوج إلى الخدمة والتعاهد من الصحيح.

فإن زاد مرضه على ثلاثة أيام، وله ما ينفق على نفسه، لم يلزمهم القيام بنفقته، ولكن تلزمهم معونته وخدمته وشِرى ما يحتاج إليه من ماله. وإن لم يكن له ما ينفق على نفسه لزمهم القيامُ عليه إلى أن يبرأ أو يموت. فإن أهملوه وضيَّعوه حتى مات ضمنوه. هذا مذهب عمر وإليه ذهب الإمام أحمد، فإنه رُوي عن عمر أنَّ رجلًا مرَّ بقومٍ فاستسقاهم فلم يسقوه حتى

  1. (١) في الأصل: «والبر»، تصحيف.
431

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي