أحكام أهل الذمة

على ذلك مكانَه، وقيل له: قد تقدَّم لك أمانٌ، فأمانُك كان للجزية١ وإقرارك بها، وقد أجَّلناك في أن تُخرَج من بلاد الإسلام. ثم إذا خرج فبلغ مأمنه قُتل إن قُدر عليه. هذا لفظه.

وحكى ابن المنذر والخطابي٢ عن الشافعي أيضًا: أن عهده ينتقض بسبِّ النبي ﷺ ويقتل.

وأمَّا أصحابه فذكروا فيما إذا ذكر الله أو رسوله بسوء وجهين٣:

أحدهما: ينتقض عهدُه بذلك سواءٌ شُرِط عليه تركه أو لم يشترط، كما إذا قاتلوا المسلمين أو امتنعوا من التزام الحكم؛ كطريقة أبي الحسين من أصحابنا، وهذه طريقة أبي إسحاق المروزي. ومنهم مَن خصَّ سبَّ رسول الله ﷺ وحدَه بأن يوجب القتل.

والثاني: أنَّ السبَّ كالأفعال التي على المسلمين فيها ضررٌ من قتل المسلم والزنا بالمسلمة والجسِّ وما ذكر معه. وذكروا في تلك الأمور وجهين:

أحدهما: أنَّه إن لم يشرط عليهم تركها بأعيانها لم ينتقض العهد بفعلها، وإن شرط عليهم تركها بأعيانها ففي انتقاض العهد بذلك وجهان.

والثاني: لا ينتقض العهد بفعلها مطلقًا.

ومنهم من حكى هذه الوجوه أقوالًا، وهي أقوالٌ مشارٌ إليها، فيجوز أن

  1. (١) كذا في «الصارم»، وفي مطبوعة «الأم»: «تقدَّم لك أمانٌ بأدائك للجزية».
  2. (٢) انظر: «الأوسط» (١٣/ ٤٨٣) و«معالم السنن» (٣/ ٢٩٦).
  3. (٣) كما في «الصارم» (٢/ ٢٩ - ٣١).
452

تُسمَّى أقوالًا ووجوهًا.

هذه طريقة العراقيين، وقد صرَّحوا بأنَّ المراد شرطُ تركها لا شرط انتقاض العهد بفعلها، كما ذكره أصحاب أحمد.

وأمَّا الخراسانيون فقالوا: المراد بالاشتراط هنا شرط انتقاض العهد بفعلها لا شرط تركها. قالوا: لأنَّ الترك١ موجَب نفسِ العقد. وذكروا في تلك الخصال المضرة ثلاثة أوجهٍ:

أحدها: ينتقض العهدُ بفعلها. والثاني: لا ينتقض. والثالث: إن شرط في العقد انتقاض العهد بفعلها انتقض وإلا فلا.

ومنهم مَن قال: إن شُرِط نُقِض وجهًا واحدًا، وإن لم يشرط فوجهان. وحسبوا أنَّ مراد العراقيين بالاشتراط هذا، فقالوا حكايةً عنهم: وإن لم يَجرِ شرطٌ لم ينتقض العهد، وإن جرى فوجهان. ويلزم من هذا أن يكون العراقيون قائلين بأنَّه [إن] لم يَجرِ شرط الانتقاض بهذه الأشياء لم ينتقض بها قولًا واحدًا وإن صُرِّح بشَرْطِ تركها. وهذا غلطٌ عليهم، والذي نصروه في كتب الخلاف: أنَّ سبَّ النبي ﷺ ينقض العهد ويوجب القتل، كما ذكرناه عن الشافعي نفسه.

فصل

وأمَّا مالك وأصحابه رحمهم الله تعالى فقالوا٢: ينتقض العهد بالقتال،

  1. (١) في الأصل: «الشرط»، والتصحيح من «الصارم».
  2. (٢) كما في «عقد الجواهر الثمينة» (١/ ٤٩٥ - ٤٩٦)، ولعل المؤلف صادر عنه.
453

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي