أحكام أهل الذمة

قال: ولأنَّ عقد الذمة عقد أمان فانتقض بالمخالفة من غير شرط كالهُدنة.

قلتُ: واحتجَّ غيرُه من الأصحاب بوجوه أُخَر سوى ما ذكره١.

منها: قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا اُلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ اِلْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اَللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ اَلْحَقِّ مِنَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اُلْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا اُلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، فلا يجوز الإمساك عن قتالهم إلا إذا كانوا صاغرين حال إعطاء الجزية.

والمراد بإعطاء الجزية من حين بذلها والتزامها٢ إلى حين تسليمها وإقباضها. فإنَّهم إذا بذلوا الجزية شرعوا في الإعطاء ووجب الكفُّ عنهم إلى أن نقبضها منهم، فمتى لم يلتزموها أو التزموها وامتنعوا من تسليمها لم يكونوا معطين لها. فليس المراد: يكونوا صاغرين حال تناوُل الجزية منهم فقط، ويفارقهم الصَّغار فيما عدا هذا الوقت، هذا باطلٌ قطعًا.

وإذا عُلم هذا فمَن جاهَرَنا بسبِّ الله ورسوله، وإكراه حريمنا على الزنا، وتحريق جوامعنا ودُورنا، ورفع الصليب فوق رؤوسنا= فليس معه من الصَّغار شيء، فيجب قتاله قطعًا٣ بنصِّ الآية حتى يصير صاغرًا.

  1. (١) المؤلف صادر عن «الصارم» (١/ ٣٢ وما بعدها) في كثير من وجوه الاحتجاج الآتية، مع تحرير وزيادة وترتيب.
  2. (٢) في الأصل: «أو التزامها»، والمثبت من «الصارم» أشبه.
  3. (٣) سقط من المطبوع.
456

فإن قيل: فالمأمور به القتال إلى هذه الغاية١، فمن أين لكم القتل للمقدور٢ عليه؟

فالجواب من وجوه:

أحدها: أنَّ كل مَن أُمِرنا بقتاله من الكفار فإنَّه يُقتَل إذا قدرنا عليه.

الثاني: أنَّا٣ إذا كنَّا مأمورين أن نقاتلهم إلى هذه الغاية لم يَجُز أن نعقد لهم عهد الذِّمَّة بدونها، ولو عُقد لهم [كان] عقدًا فاسدًا.

الثالث: أنَّ الأصل إباحة دمائهم، يُمسِك عصمتها الحَبْلان: حبلٌ من الله بالأمر بالكفِّ عنهم، وحبلٌ من الناس بالعهد والعقد، ولم يوجد واحدٌ من الحبلين. أمَّا حبل الله سبحانه فإنَّه إنَّما اقتضى الأمر٤ بالكفِّ عنهم إذا كانوا صاغرين، فمتى لم يوجد وصف الصَّغار المقتضي للكفِّ منهم وعنهم، فالقتلُ للمقدور٥ عليه منهم والقتالُ للطائفة الممتنعة واجبٌ.

وأمَّا حبل الناس فلم يعاهدهم الإمامُ والمسلمون إلا على الكفِّ عمَّا فيه إدخال ضرر على المسلمين وغضاضة في الإسلام، فإذا لم يوجد فلا عهد لهم من الإمام ولا من الله، وهذا ظاهرٌ لا خفاء به.

  1. (١) في الأصل: «فالمأثور ... العناية».
  2. (٢) في الأصل والمطبوع: «المقدور»، والمثبت هو الصواب.
  3. (٣) في الأصل: «أما»، تصحيف.
  4. (٤) في الأصل: «الا»، نصف الكلمة.
  5. (٥) في الأصل والمطبوع: «المقدور»، والمثبت هو الصواب.
457

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي