أحكام أهل الذمة

فصل

الدليل الثالث: قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اَللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِن نَّكَثُوا أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئمَّةَ اَلْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ﴾ [التوبة: ٧ - ١٢]، فنفى سبحانه أن يكون لمشرك عهدٌ ممَّن كان النبي ﷺ عاهدهم إلا قومًا ذكرهم فجعل لهم عهدًا ما داموا مستقيمين لنا، فعُلم أنَّ العهد لا يبقى للمشرك إلا ما دام مستقيمًا.

ومعلومٌ أنَّ مُجاهَرتنا بتلك الأمور العِظام تقدح في الاستقامة، كما تقدح مُجاهرتنا بالمحاربة١ فيها، بل مجاهرتنا بسبِّ ربِّنا ونبيِّنا وكتابِه وإحراق مساجدنا ودُورنا أشدُّ علينا من مجاهرتنا بالمحاربة إن كنَّا مؤمنين، فإنَّه يجب علينا أن نبذُلَ دماءنا وأموالنا حتى تكون كلمة الله هي العليا، ولا يُجهَر بين أظهرنا بشيء من أذى الله ورسوله. فإذا لم يكونوا مستقيمين لنا مع القدح في أهون الأمرين، فكيف يستقيمون لنا مع القدح في أعظمهما؟!

يوضِّح ذلك قوله: ﴿كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ [التوبة: ٨]، أي: كيف يكون لهم عهدٌ ولو ظهروا عليكم لم يَرقُبوا الرَّحِم التي بينكم وبينهم ولا العهد، فعُلِم أنَّ مَن كانت حالته أنَّه إذا ظهر لم يَرقُب ما بيننا وبينه من العهد لم يكن له عهدٌ.

ومَن جاهرنا بالطعن في ديننا وسبِّ ربِّنا ونبيِّنا كان ذلك من أعظم الأدلة

  1. (١) في الأصل والمطبوع: «بالاستقامة»، سهو أو سبق فلم. والسياق يقتضي المثبت، وقوله بعده: «فيها» أي: في الاستقامة.
458

على أنَّه لو ظهر علينا لم يرقب العهد الذي بيننا وبينه، فإنَّه إذا كان هذا فِعله مع وجود العهد والذلة، فكيف يكون مع القدرة والدولة؟ وهذا بخلاف مَن لم يُظهِر لنا شيئًا من ذلك، فإنَّه يجوز أن يفي لنا بالعهد ولو ظهر.

فإن قيل: فالآية إنَّما هي في أهل الهُدنَة المقيمين في دارهم.

قيل: الجواب من وجهين: أحدهما: أنَّ لفظها أعمُّ. الثاني: أنَّها إذا كان معناها في أهل الذمة المقيمين بدارهم فثبوته في أهل الذمة المقيمين بدارنا أولى وأحرى.

فصل

الدليل الرابع: قوله تعالى: ﴿وَإِن نَّكَثُوا أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئمَّةَ اَلْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٢]، فأمر سبحانه بقتال مَن نكث يمينه، أي: عهده الذي عاهدَنا عليه من الكفِّ عن أذانا والطعن في ديننا، وجَعَل علَّة قتاله ذلك، وعطف الطعن في الدين على نكث العهد وخصَّه بالذكر بيانًا أنَّه من أقوى الأسباب الموجبة للقتال، ولهذا تغلَّظ على صاحبه العقوبة.

وهذه كانت سنَّة رسول الله ﷺ، فإنَّه كان يَهدِر دماء مَن آذى الله ورسوله وطعن في الدِّين ويُمسِك عن غيره.

فإن قيل: فالآية تدلُّ على أنَّ مَن نقض عهدَه وطعن في الدِّين فإنَّه يُقاتَل، فمن أين لكم أن من طعن في الدين ولم ينقض العهد١ يُقاتَل؟ ومعلومٌ أنَّ

  1. (١) في الأصل لحق في الهامش غير محرر يشبه: «له» ولم يتبيَّن وجهه، وأثبت في المطبوع: «لم» ففسد السياق وانقلب المعنى.
459

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي