وهذه المخالفة من المعاهد قد تُبطل العهد بالكلية حتى تجعله حربيًّا، وقد تُشعِّث العهد حتى تبيح عقوبتهم، كما أنَّ فَقْدَ بعض الشروط في البيع والنكاح وغيرهما قد يُبطِله بالكلية، وقد يبيح الفسخ والإمساك.
وأمَّا مَن قال: ينتقض العهد بجميع المخالفات، فظاهرٌ على قوله١.
قال القاضي في «التعليق»: واحتَجَّ المخالف٢ بأنَّهم لو أظهروا مُنكرًا في دار الإسلام، مثل إحداث البيع والكنائس في دار الإسلام، ورفعِ الأصوات بكتبهم، والضربِ بالنواقيس، وإطالةِ البناء على أبنية المسلمين، وإظهارِ الخمر والخنزير، وكذلك ما أُخِذ عليهم تركُه من التشبُّه بالمسلمين في ملبوسهم ومركوبهم وشعورهم وكُنَاهم [= لم ينتقض عهدهم]٣.
قال: والجواب أنَّ مِن أصحابنا مَن جعله ناقضًا للعهد بهذه الأشياء، وهو ظاهر كلام الخِرَقي، فإنَّه قال٤: ومن نقض العهد بمخالفة شيء ممَّا صولحوا عليه عاد حربيًّا؛ فعلى هذا لا نسِّلم. وإنَّ سلَّمناه فالمعنى٥ فيها أنَّه لا ضرر على المسلمين فيها، وإنَّما نُهُوا عن فعلِها لِما في إظهارها من المنكر،
(١) انتهى كلام شيخ الإسلام، وسيرجع إليه المؤلف بعد النقل عن القاضي أبي يعلى.
(٢) في الأصل والمطبوع: «القاضي»، سهو أو سبق قلم. والمثبت هو عادة القاضي في «التعليق» كما في القدر المطبوع منه.
(٣) زيادة لازمة لإقامة السياق.
(٤) في «المختصر» (١٣/ ٢٣٦ مع المغني).
(٥) في الأصل: «فالعين»، تصحيف. والمثبت جارٍ على سَنن القاضي في كتابه.
وليس كذلك في مسألتنا١، لأنَّ في فعلها ضررًا بالمسلمين، فبان الفرق. انتهى كلامه.
قال شيخنا٢: فعلى التقديرين فقد اقتضى العقدُ أن لا يُظهروا شيئًا من عيب ديننا، وأنَّهم متى أظهروه فقد نكثوا وطعنوا في الدين فيدخلون في عموم الآية لفظًا ومعنى، ومثل هذا العموم يبلغ درجة النص.
فصل
وفي الآية دليل من وجه آخر، وهو قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَئمَّةَ اَلْكُفْرِ﴾، وهم الذين نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في ديننا، ولكن أقام الظاهرَ مقام المُضمَر تنبيهًا٣ على الوصف الذي استحقُّوا به المُقاتَلة، كقوله: ﴿وَاَلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا اُلصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ اَلْمُصْلِحِينَ﴾[الأعراف: ١٧٠] ونظائره، فدلَّ على أنَّ مَن نكث يمينه وطعن في ديننا فهو من أئمة الكفر، وإمام الكفر هو الداعي إليه المتَّبَع٤ فيه.
وإنما صار إمامًا في الكفر لأجل الطعن، وإلا فمجرَّد النكث لا يوجب ذلك. وهذا ظاهرٌ، فإنَّ الطاعن في الدين يعيبه ويذمُّه ويدعو إلى خلافه، وهذا شأن الإمام، فإذا طعن الذميُّ في الدين كان إمامًا في الكفر فيجب قتاله.
(١) في الأصل والمطبوع: «ملَّتنا»!
(٢) «الصارم» (٢/ ٤٠).
(٣) في الأصل والمطبوع: «بينهما»، تصحيف عن المثبت.
(٤) في الأصل: «الممتنع»، تصحيف. والتصحيح من «الصارم».