وليس كذلك في مسألتنا١، لأنَّ في فعلها ضررًا بالمسلمين، فبان الفرق. انتهى كلامه.
قال شيخنا٢: فعلى التقديرين فقد اقتضى العقدُ أن لا يُظهروا شيئًا من عيب ديننا، وأنَّهم متى أظهروه فقد نكثوا وطعنوا في الدين فيدخلون في عموم الآية لفظًا ومعنى، ومثل هذا العموم يبلغ درجة النص.
فصل
وفي الآية دليل من وجه آخر، وهو قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَئمَّةَ اَلْكُفْرِ﴾، وهم الذين نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في ديننا، ولكن أقام الظاهرَ مقام المُضمَر تنبيهًا٣ على الوصف الذي استحقُّوا به المُقاتَلة، كقوله: ﴿وَاَلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا اُلصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ اَلْمُصْلِحِينَ﴾[الأعراف: ١٧٠] ونظائره، فدلَّ على أنَّ مَن نكث يمينه وطعن في ديننا فهو من أئمة الكفر، وإمام الكفر هو الداعي إليه المتَّبَع٤ فيه.
وإنما صار إمامًا في الكفر لأجل الطعن، وإلا فمجرَّد النكث لا يوجب ذلك. وهذا ظاهرٌ، فإنَّ الطاعن في الدين يعيبه ويذمُّه ويدعو إلى خلافه، وهذا شأن الإمام، فإذا طعن الذميُّ في الدين كان إمامًا في الكفر فيجب قتاله.
(١) في الأصل والمطبوع: «ملَّتنا»!
(٢) «الصارم» (٢/ ٤٠).
(٣) في الأصل والمطبوع: «بينهما»، تصحيف عن المثبت.
(٤) في الأصل: «الممتنع»، تصحيف. والتصحيح من «الصارم».
وقوله: ﴿إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ علَّةٌ أخرى لقتاله. فأمَّا على قراءة الكسر١ فتكون الآية٢ قد تضمَّنَت ذكر المقتضي للقتال ــ وهو نكث العهد والطعن في الدين ــ وبيانَ عدمِ المانع من القتال وهو الإيمان العاصِم٣.
وأمَّا على قراءة فتح الألف فالأيمان جمع يمينٍ٤. وهي أحسن القراءتين، لأنه قد تقدَّم في أول الآية قوله: ﴿وَإِن نَّكَثُوا أَيْمَانَهُم﴾، فأخبر سبحانه عن سبب القتال ــ وهو نكث الأيمان والطعن في الدين ــ ثم أخبر أنه لا أيمان لهم تعصمهم من القتل، لأنهم قد نكثوها.
والمراد بالأيمان هنا العهود لا القسم بالله، فإنَّ النبي ﷺ لم يقاسمهم بالله عام الحديبية، وإنما عاهدهم، ونسخة الكتاب محفوظةٌ٥ ليس فيها قسمٌ، وهذا لأن كلًّا من المتعاهدين يمدُّ يمينه إلى الآخر، ثم صار مجرد الكلام بالعهد يُسمَّى يمينًا، وإن لم يحصل فيه مدُّ اليمين. وقد قيل: سمِّي العهد يمينًا [لأنَّ اليمين]٦ هي القوة والشدة، كما قال تعالى: ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ
(١) أي: كسر همزة ﴿أَيْمَانَ﴾، وهي قراءة ابن عامر وحدَه. انظر: «النشر» (٢/ ٢٧٨).
(٢) في الأصل: «الاسر»، تحريف.
(٣) هذا إذا كان الإيمان بمعنى الإيمان بالله ورسوله. ويحتمل أن يكون الإِيمان مصدر «آمَنَه» إذا أمَّنه، أي: أعطاه الأمان. فيكون المعنى: لا يُؤمَنون، أي: لا يجوز إعطاؤهم الأمانَ بعد نكثهم وطعنهم.
(٤) في الأصل: «بهن»!
(٥) في الأصل: «»، ولعله تصحيف عن المثبت. وفي «الصارم»: «معروفة».