بِالْيَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥]، ولما كان الحلف معقودًا مشدودًا سمِّي يمينًا.
فاسم اليمين جامعٌ للعهد الذي بين العبد وبين ربِّه ــ وإن كان نذرًا، ومنه قول النبي ﷺ: «النذر حلفةٌ»١ ــ وللعهد الذي بين المخلوقين. ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنقُضُوا اُلْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾[النحل: ٩١]، فالنهي عن نقض٢ العهود وإن لم يكن فيها قسمٌ.
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهِ اِللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾[الفتح: ١٠]، ولم٣ يكن هناك قسمٌ.
والمقصود: أن كل٤ من طعن في ديننا بعد أن عاهدناه عهدًا يقتضي أن
(١) أخرجه أحمد (١٧٣٤٠) وأبو يعلى (١٧٤٤) من حديث عقبة بن عامر بلفظ: «النذر يمين»، وإسناده ضعيف. والمحفوظ في حديث عقبة لفظُ مسلمٍ (١٦٤٥) وغيره: «كفارة النذر كفارة اليمين». ولفظ «النذر حلفة» ذكره الإمام أحمد في «مسائله» برواية صالح (١/ ٣٩٦) موقوفًا على عقبة من قوله. وذكره شيخ الإسلام في مواضع من تصانيفه، تارةً مرفوعًا كما هنا (أي: في الصارم ٢/ ٤٢)، وتارةً موقوفًا كما في «الرد على السبكي في مسألة تعليق الطلاق» (ص ١١٨، ٣٦٤، ٥٣١).
(٢) في الأصل والمطبوع: «بعض»، والتصحيح من «الصارم».
(٣) في الأصل: «وإن لم»، ولعله سهو. والمراد أن بيعة الرضوان لم يكن فيها قسم.
(٤) في الأصل: «كان»، تصحيف.
لا يفعل ذلك، فهو إمامٌ في الكفر لا يمين له، فيجب قتله بنص الآية. وبهذا يظهر الفرق بينه وبين الناكث الذي ليس بإمامٍ في الكفر، وهو من خالف بفعل١ شيء مما صولح عليه.
فصل
الدليل الخامس: قوله تعالى: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ اِلرَّسُولِ﴾[التوبة: ١٣]، فجعل همهم بإخراج الرسول موجِبًا لقتالهم لما فيه من الأذى له.
ومعلومٌ قطعًا أن سبَّه أعظم أذًى له من مجرد إخراجه من بلده، ولهذا عفا ﷺ عام الفتح عن الذين همُّوا بإخراجه ولم يعفُ عمَّن سبه. فالذمي إذا أظهر سبه ﷺ فقد نكث عهده، وفعل ما هو أعظم من الهمِّ بإخراج الرسول، وبدأ بالأذى٢ فيجب قتاله.
فصل
الدليل السادس: قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اُللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ ١٤ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾[التوبة:١٤ - ١٥]، فأمر سبحانه بقتال الناكثين الطاعنين في الدين، ورتَّب على ذلك ستة أشياء: تعذيبهم بأيدي٣ المؤمنين، وخزيهم، والنصرة
(١) رسمه في الأصل: «».
(٢) إشارة إلى قوله تعالى في تمام الآية المذكورة: ﴿وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾.