أحكام أهل الذمة

عليهم، وشفاء صدور المؤمنين، وذهاب غيظ قلوبهم، وتوبته على غيرهم. والتقدير: إن تقاتلوهم يحصُلْ هذا.

وإذا كانت هذه الأمور مرتبةً على قتال الناكث والطاعن في الدين، وهي أمور مطلوبة= كان سببها المقتضي لها مطلوبًا للشارع، وهو القتال. وإذا كانت هذه الأمور مطلوبةً حاصلةً بالقتال لم يَجُزْ تعطيل القتال الذي هو سببها مع قيام المقتضي له من جهة من يقاتله، وهو النكث والطعن في الدين. فشفاء الصدور الحاصل من ألم النكث والطعن، وذهابُ الغيظ الحاصل في صدور المؤمنين من ذلك= مقصودٌ للشارع مطلوب الحصول.

ولا ريب أن من أظهر سبَّ رسول الله ﷺ من أهل الذمة، فإنه يغيظ المؤمنين ويؤلمهم أكثر من سفك دماء بعضهم وأخذِ أموالهم، فإن هذا يثير١ الغضب لله والحميةَ له ولرسوله، وهذا القدر لا يهيِّج في قلب المؤمن غيظًا٢ أكثر منه، بل المؤمن المسدَّد لا يغضب هذا الغضب إلا لله ورسوله. والله سبحانه يحب شفاء صدور المؤمنين وذهاب غيظ قلوبهم، وهذا إنما يحصل بقتل السبَّاب لأوجهٍ:

أحدها: أن تعزيره وتأديبه يذهب غيظ قلوبهم إذا شتم واحدًا من المسلمين، فلو أذهب التعزير والتأديب غيظ قلوبهم إذا شتم الرسول لكان غيظهم من سبِّ نبيهم مثلَ غيظهم من سبِّ واحدٍ منهم، وهذا باطلٌ قطعًا.

  1. (١) في الأصل: «يبين»، تصحيف.
  2. (٢) في الأصل: «غيظ»، والتصحيح من «الصارم».
468

الثاني: أن شتمه أعظمُ عندهم من أن يسفك دماءَ بعضهم١؛ [فـ] ـلو قَتَل واحدًا٢ منهم لم يشفِ صدورَهم إلا قتلُه، فأن لا تشفى صدورهم إلا بقتل السابِّ أولى وأحرى.

الثالث: أن الله جعل قتالهم هو السببَ في حصول الشفاء، والأصل عدم سببٍ آخرَ يُحصِّله، فيجب أن يكون القتل والقتال هو الشافي لصدور المؤمنين من مثل هذا.

الرابع: أن النبي ﷺ لما فُتحت مكة وأراد أن يشفي صدور خُزاعة ــ وهم القوم المؤمنون ــ من بني بكر الذين قاتلوهم مكَّنهم منهم نصف النهار أو أكثر مع أمانه لسائر الناس٣. فلو كان شفاءُ صدورهم وذهابُ غيظ قلوبهم يحصل بدون القتل للذين٤ نكثوا أو طعنوا لما فعل ذلك مع أمانه الناس.

  1. (١) بعده في الأصل: «بعضًا دمائهم»، ثم ضرب الناسخ على الكلمة الثانية، وحقُّ الأولى أن يُضرب عليها أيضًا، إذ المراد: أن شتم الكافر للنبي ﷺ أعظم عندهم من أن يسفك ذلك الكافر دماءَ بعضهم. وقارن بـ «الصارم» (٢/ ٤٧).
  2. (٢) في الأصل: «واحد»، والمثبت أشبه.
  3. (٣) كما في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه أن النبي ﷺ قال يوم فتح مكة: «كُفُّوا السلاح، إلا خزاعة عن بني بكر»، فأذن لهم حتى صلوا العصر، ثم قال لهم: «كُفُّوا السلاح». أخرجه أحمد (٦٦٨١) وابن أبي شيبة (٣٨٠٥٩) بإسناد حسن. وله شاهد من حديث ابن عمر عند ابن حبان (٥٩٩٦)، ومن مرسل عكرمة عند ابن أبي شيبة (٣٨٠٥٧) بنحوه.
  4. (٤) في الأصل: «الذين».
469

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي