أحكام أهل الذمة

فصل

الدليل الثامن: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اَلَّذِينَ يُحَادُّونَ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ اَلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [المجادلة: ٥]، والكبت: الإذلال والخزي والصرع١ على الوجه. قال النضر وابن قتيبة٢: هو الغيظ والحزن. وقال أهل التفسير٣: ﴿كُبِتُوا﴾ أُهلكوا٤ وأُخزوا وحُزِنوا.

وإذا كان المُحادُّ مكبوتًا، فلو كان آمنًا على نفسه وماله لم يكن مكبوتًا بل مسرورًا جذلًا يشفي صدره من الله ورسوله آمنًا على دمه وماله، فأين الكبت إذًا؟

ويدل عليه قوله: ﴿كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ اَلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، فخوَّفهم بكبتٍ نظير كبت من قبلهم، وهو الإهلاك من عنده أو بأيدي عباده وأوليائه.

وقوله: ﴿كَتَبَ اَللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] عقيب قوله: ﴿إِنَّ اَلَّذِينَ يُحَادُّونَ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ دليل على أن المحادَّةَ مغالَبةٌ ومعاداةٌ حتى يكون أحدُ المحادِّين غالبًا. وهذا إنما يكون بين أهل الحرب لا أهل السلم، فعُلم أن المحادَّ ليس بمسالمٍ، فلا يكون له أمانٌ مع المحادَّة. وقد جرت سنة الله سبحانه أن الغلبة لرسله بالحجة والقهر، فمن أُمِر منهم بالحرب نُصِر

  1. (١) في الأصل: «والتصرع»، تصحيف.
  2. (٢) انظر: «غريب القرآن» له (ص ١١٠، ٤٥٧).
  3. (٣) انظر: «مجاز القرآن» لأبي عُبيدة (٢/ ٢٥٥)، «تفسيرالطبري» (٢٢/ ٤٦٦)، و«معالم التنزيل» (٨/ ٥٤).
  4. (٤) في الأصل: «هلكوا»، والمثبت من «الصارم».
471

على عدوِّه، ومن لم يُؤمر بالحرب أُهلِك عدوُّه.

يوضِّحه أنَّ المحادَّة مشاقةٌ، لأنَّها من الحدِّ والفصل والبينونة، وكذلك المشاقة من الشِّقِّ، وكذلك المعاداة من العُدوة وهي الجانب، يكون أحد العدوَّين في شقٍ وجانبٍ وحدٍّ، وعدوُّه الآخر في غيرها. والمعنى في ذلك كله معنى المقاطعة والمفاصلة، وذلك لا يكون إلا مع انقطاع الحبل الذي بيننا وبين أهل العهد، لا يكون مع اتصال الحبل أبدًا.

يوضحه: أنَّ الحبل وُصلةٌ وسببٌ، فلا يجامع المفاصلة والمباينة.

وأيضًا: فإنها إذا كانت بمعنى المشاقة فقد قال تعالى: ﴿فَاَضْرِبُوا فَوْقَ اَلْأَعْنَاقِ وَاَضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ١٢ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اُللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِقِ اِللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اَللَّهَ شَدِيدُ اُلْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ١٢ - ١٣]، فأمر بضرب أعناقهم، وعلَّل ذلك بمشاقَّتهم ومُحاددتهم١، وكل من فعل ذلك وجب أن يضرب عنقه. وهذا دليل تاسعٌ في المسألة.

وتركيبه٢ هكذا: هذا مشاقٌّ لله ورسوله، والمشاق لله ورسوله مستحقٌّ ضربَ العنق، وقد تبيَّنت صحة المقدمتين.

ونظير هذا الاستدلال: قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَن كَتَبَ اَللَّهُ عَلَيْهِمِ اِلْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي اِلدُّنْيا وَلَهُمْ فِي اِلْآخِرَةِ عَذَابُ اُلنّارِ﴾ [الحشر: ٣]، والتعذيب في الدنيا هو القتل والإهلاك، ثم علَّل ذلك بالمشاقَّة، وأخَّر عنهم ذلك التعذيب

  1. (١) كذا في الأصل بفكِّ الإدغام.
  2. (٢) في الأصل: «تركته»، فأثبت صبحي الصالح: «ترتيبه»، والمثبت أقرب إلى الرسم.
472

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي