الصحيفة، فكل من أقام بالمدينة ومَخاليفِها١ غيرَ محاربٍ من يهود دخل في هذا.
ثم بيَّن أن ليهود كل بطنٍ من الأنصار ذمةً من المؤمنين، ولم يكن بالمدينة أحدٌ من اليهود إلا وله حلفٌ، إما مع الأوس أو مع بعض بطون الخزرج، وكان بنو قينقاع ــ وهم المجاورون للمدينة، وهم رهط عبد الله بن سلامٍ ــ حلفاءَ بني عوف بن الخزرج رهطِ ابنِ أُبيٍّ، وهم٢ البطن الذي بدئ بهم في هذه الصحيفة.
قال ابن إسحاق٣: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة: أن بني قينقاع كانوا أول يهود نقضوا ما بينهم وبين رسول الله ﷺ، وخانوا٤ فيما بين بدرٍ وأحدٍ، فحاصرهم رسول الله ﷺ حتى نزلوا على حكمه، فقام عبدُ الله بن أُبَيٍّ [ابنُ] سَلولَ إلى رسول الله ﷺ ــ حين أمكنه الله منهم ــ فقال: يا محمد، أحسن في مواليَّ، فأعرَضَ عنه، فأدخل يده في جيب درع رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: «أرسلني»، وغضب حتى إنَّ لوجه رسول الله ﷺ ظِلالًا٥
(١) في مطبوعة «الصارم»: «مخالفيها»، خطأ.
(٢) في المطبوع: «رهط ابن أبي رُهْمٍ» تحريف، تابع فيه نشرة محمد محيي الدين من «الصارم» (ص ٦٤)، وكذا في الطبعة الهندية (ص ٦٣)؛ مع أن ابن أبي رُهْم ﵁ قرشيٌّ من السابقين الأولين!
(٣) كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٤٧) «دلائل النبوة» للبيهقي (٣/ ١٧٤).
(٤) كذا في الأصل. وفي «الصارم» و«السيرة»: «حاربوا».
(٥) في الأصل: «ضالا»، تصحيف. والمثبت من «الصارم» موافق لـ «الدلائل». وفي «سيرة ابن هشام»: «ظُلَلًا».
وقال: «ويحك أرسلني»، فقال: واللهِ لا أرسلك حتى تحسن في موالي: أربعمائة حاسرٍ وثلاثمائة دارع، قد منعوني من الأسود والأحمر؛ تحصدهم في غداة واحدة؟! إني والله أخشى الدوائر، فقال رسول الله ﷺ: «هم لك».
وأما النضير وقريظة فكانوا خارجًا من المدينة، وعهدهم مع رسول الله ﷺ أشهر من أن يخفى على عالمٍ.
وهذه المرأة المقتولة ــ والله [أعلم] ــ كانت من بني قينقاع، لأن ظاهر القصة أنها كانت بالمدينة. وسواءٌ كانت منهم أو من غيرهم، فإنها كانت ذميةً لأنه لم يكن بالمدينة من اليهود إلا ذِميٌّ، فإن اليهود كانوا ثلاثة أصنافٍ وكلهم معاهدٌ.
وقال الواقدي١: حدثني عبد الله بن جعفر، عن الحارث بن الفُضَيل، عن محمد بن كعب القرظي: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة وادعَتْه يهود كلها، فكتب بينه وبينها كتابًا، وألحق رسول الله ﷺ كل قوم بحلفائهم، وجعل بينه وبينهم أمانًا، وشرط عليهم شروطًا، فكان فيما شرط: أن لا يظاهروا عليه عدوًّا. فلمَّا أصاب رسولُ الله ﷺ أصحابَ بدر وقدم المدينة بغَتْ يهود، وقطعَت ما كان بينها وبين رسول الله ﷺ من العهد، فأرسل إليهم رسول الله ﷺ فجمعهم ثم قال: «يا معشر يهود، أَسلِموا، فوالله إنكم لتعلمون أني رسول الله، قبلَ أن يُوقِع الله بكم مثلَ وقعة قريش»، فقالوا: يا محمد، لا يغُرَّنَّك مَن لقيتَ، إنَّك لقيت أقوامًا أغمارًا، وإنَّا واللهِ أصحاب الحرب، وإن قاتلتنا لتعلمَنَّ أنَّك لم تُقاتِل مِثلَنا. ثم ذكر حِصارهم وإجلاءهم