أحكام أهل الذمة

عامر بن حِذْيَمٍ على عمر بن الخطاب ﵁، فلما أتاه علاه بالدِّرَّة، فقال سعيد: سبقَ سيلُك مطرَك! إن تُعاقِبْ نصبِرْ، وإن تَعْفُ نشكُرْ، وإن تَستعتِبْ نُعْتِبْ. فقال: ما على المسلم إلا هذا، ما لك تُبطئ بالخراج؟ فقال: أمرتَنا أن لا نزيد الفلَّاحين على أربعة دنانير، فلسنا نزيدهم على ذلك، ولكنّا نؤخّرهم إلى غلَّاتهم. فقال عمر ﵁: لا عَزلتُك ما حَيِيتُ!

قال أبو عبيد: وإنما وجهُ التأخير للرِّفق بهم، ولم أسمع في الخراج والجزية وقتًا من الزمان يجتبى فيه غيرَ هذا.

قال١: ونا مروان بن معاوية الفَزاري عن خَلَفٍ مولى آل جَعدة عن رجل من آل أبي المهاجر قال: استعمل علي بن أبي طالب رجلًا على عُكبَراء فقال له على رؤوس الملأ: لا تَدَعَنَّ لهم درهمًا من الخراج. قال: وشدَّدَ عليه القول، ثم قال: الْقَنِي عندَ انتصاف النهار، فأتاه فقال: إني كنتُ

  1. (١) "الأموال" (١٢٠)، والرجل المبهم من آل أبي المهاجر هو إسماعيل بن إبراهيم بن المهاجر، فقد أخرجه أبو يوسف في "الخراج" (٤٧)، وابن زنجويه (١٧٣) من طريق إسماعيل بن إبراهيم بن المهاجر، عن عبد الملك بن عمير، عن رجل من ثقيف قال: استعملني علي بن أبي طالب على عكبراء ... إلخ بنحوه. وإسماعيل هذا ضعيف، إلا أنه توبع، تابعه جعفر بن زياد الأحمر عند يحيى بن آدم في "الخراج" (٢٣٤) ــ ومن طريقه البيهقي في "الكبير" (٩/ ٢٠٥) ــ بنحوه.
53

أمرتُك بأمرٍ وإني أتقدَّم إليك الآن١، فإن عصيتَني نزعتُك: لا تبيعَنَّ لهم في خراجهم حمارًا ولا بقرةً ولا كسوةً، شتاءً ولا صيفًا، وارْفُق بهم، وافعَلْ بهم وافعَلْ بهم.

قال٢: وحدثني الفضل بن دُكَينٍ، عن سعيد بن سِنانٍ، عن عنترة قال: كان عليٌّ يأخذ الجزية من كل ذي صَنْعةٍ، من صاحب الإبَرِ إبرًا، ومن صاحب المَسَالّ مَسَالّ، ومن صاحب الحبال حبالًا، ثم يدعو العُرفاء فيعطيهم الذهب والفضة فيقتسمونه، ثم يقول: خذوا هذا فاقتسموه، فيقولون: لا حاجةَ لنا فيه، فيقول: أخذتم خِياره وتركتم عليَّ شِراره؟ لتَحمِلُنَّه!

قال أبو عبيد٣: وإنما توجَّه هذا من علي ﵁ أنه إنما كان يأخذ منهم هذه الأمتعة بقيمتها من الدراهم التي عليهم من جزية رؤوسهم، ولا يحمِلُهم على بيعها ثم يأخذ ذلك من الثمن إرادةَ الرفقِ بهم والتخفيفِ عليهم.

قال: ومثل هذا حديث معاذٍ ﵁ حين قال باليمن: ائتوني بخميسٍ أو لَبِيسٍ٤ آخذه منكم مكانَ الصدقة، فإنه أهونُ عليكم وأنفعُ للمهاجرين

  1. (١) أي: إن الأمر السابق كان ليُسمِع القومَ الذين ولَّاه عليهم، ولفظه في رواية ابن زنجويه: "إنما قلتُ لك الذي قلتُ لأُسمِعهم".
  2. (٢) "الأموال" (١٢١)، وقد تقدَّم.
  3. (٣) "الأموال" (١/ ١٠٢).
  4. (٤) الخميس: الثوب الذي طولُه خمسُ أذرع. قيل: سُمِّي خميسًا لأن أول من عمله ملكٌ باليمن يقال له الخِمْس. واللبيس: الثوب الذي أُكثِر لُبسُه فأَخلقَ. وانظر: "فتح الباري" (٣/ ٣١٢). وفي المطبوع: "بحميس" بالحاء وشرحه في الهامش بأنه التنور، وهو خطأ.
54

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي