أحكام أهل الذمة

استعلن بعداوتنا وهجائنا».

ويؤيد ذلك شيئان١:

أحدهما: أن سفيان بن عُيَينة روى عن عمرو بن دينارٍ، عن عكرمة قال: جاء حُيَي بن أخطب وكعب بن الأشرف إلى أهل مكة، فقالوا: أنتم أهل الكتاب وأهل العلم فأخبرونا عنَّا وعن محمد. فقالوا: ما أنتم وما محمد؟ فقالوا: نحن نصل الأرحام، وننحر الكوماء، ونسقي الماء على اللبن، ونفكُّ العُناة، ونسقي الحجيج؛ ومحمد صُنْبُورٌ، قطع أرحامنا، واتَّبعه سُرَّاق الحجيج بنو غفارٍ؛ فنحن خيرٌ أم هو؟ فقالوا: بل أنتم خيرٌ وأهدى سبيلًا، فأنزل الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ اَلْكِتَابِ﴾ إلى قوله: ﴿أُوْلَئِكَ اَلَّذِينَ لَعَنَهُمُ اُللَّهُ وَمَن يَلْعَنِ اِللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ [النساء:٥٠ - ٥١]٢.

وكذلك قال قتادة: ذكر لنا أن هذه الآية نزلت في كعب بن الأشرف وحُيَي بن أخطب، رجلين من اليهود من بني النضير أتيا٣ قريشًا في الموسم، فقال لهما المشركون: نحن أهدى من محمد وأصحابه، فإنَّا أهل

  1. (١) سقطت النون من الأصل.
  2. (٢) أخرجه ابن شَبَّة في «تاريخ المدينة» (٢/ ٤٥٢) وسعيد بن منصور (٦٤٨ - التفسير) ــ ومن طريقه ابن المنذر في «تفسيره» (٢/ ٧٤٩) ــ وابن أبي حاتم (٣/ ٩٧٤)، من طرق عن ابن عيينة به. وهو مرسل صحيح الإسناد.
    وأخرجه الطبراني (١١/ ٢٥١) ــ ومن طريقه الضياء في «المختارة» (١٢/ ١٧٥) ــ والبيهقي في «الدلائل» (٣/ ١٩٣) من بعض الطرق الضعيفة عن ابن عيينة عن عمرو عن عكرمة عن ابن عباس مسندًا.
  3. (٣) كذا في الأصل. وفي «الصارم» ومصادر التخريج: «لقيا».
498

السدانة والسقاية وأهل الحرم، فقالا: أنتم أهدى من محمد وأصحابه، وهما يعلمان أنهما كاذبان. إنما حملهما على ذلك حسد محمد وأصحابه، فأنزل الله فيهم: ﴿أُوْلَئِكَ اَلَّذِينَ لَعَنَهُمُ اُللَّهُ وَمَن يَلْعَنِ اِللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٥١]، فلما رجعا إلى قومهما قال قومهما١: إن محمدًا يزعم أنه قد نزل فيكما٢ كذا وكذا، قالا: صدق واللهِ، ما حملَنا على ذلك إلا حسدُه وبغضُه٣.

وهذان مرسلان من وجهين مختلفين، فيهما أن كلا الرجلين ذهب إلى مكة وقال ما قال، ثم إنهما قدما فندب النبي ﷺ إلى قتل ابن الأشرف وأمسك عن ابن أخطب، حتى نقض بنو النضير العهد فأجلاهم النبي ﷺ فلحق بخيبر، ثم جمع عليه الأحزاب، فلما انهزموا دخل مع بني قريظة حصنهم حتى قتله الله معهم. فعُلِم أن الأمر الذي أتياه بمكة لم يكن هو الموجِب للندب إلى قتل ابن الأشرف. وإنما هو ما اختصَّ به ابنُ الأشرف من الهجاء ونحوه، وإن كان ما فعله بمكة مقويًّا لذلك٤، لكن مجرد الأذى لله ورسوله يوجب الندب إلى قتله كما نصَّ عليه النبي ﷺ بقوله: «فإنه قد آذى الله ورسوله»، وكما بينه جابرٌ في حديثه.

  1. (١) في الأصل: «قومهم»، والتصحيح من «الصارم».
  2. (٢) في الأصل: «فيكم»، والمثبت من «الصارم».
  3. (٣) أخرجه الطبري (٧/ ١٤٦) وابن المنذر (٢/ ٧٥٠) وابن أبي حاتم (٣/ ٩٧٧) والواحدي في «الأسباب» (ص ٢٩٤) من طرق عن يزيد بن زُريع، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة. وهذا مرسل صحيح الإسناد.
  4. (٤) في الأصل: «بذلك»، والمثبت أشبه.
499

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي