أحكام أهل الذمة

من تفضيل دين الكفار وحضِّهم باللسان على قتل المسلمين أشدُّ منازعةً، فإن الذمي إذا تجسَّس١ لأهل الحرب، وأخبرهم بعورات المسلمين، ودعا الكفار إلى قتالهم= انتقض عهده أيضًا كما ينتقض عهد الساب.

ومن قال: إن الساب لا ينتقض عهده فإنه يقول: لا ينتقض العهد بشيء من ذلك. وهذا ابن الأشرف لم يوجد منه إلا أذًى باللسان فقط، فهو حجةٌ على من نازع في هذه المسائل، ونحن نقول: إن ذلك كلَّه نقضٌ للعهد.

الوجه السابع: أن تفضيل دين الكفار على دين المؤمنين هو دون سبِّ النبي ﷺ بلا ريبٍ، فإن كون الشيء مفضولًا أحسنُ حالًا من كونه مسبوبًا مشتومًا؛ فإن كان ذلك ناقضًا للعهد فالسب بطريق الأولى.

وأما مرثيته للقتلى وحضُّهم على أخذ ثأرهم، فأكثر ما فيه تهييج قريشٍ على المحاربة، وقريشٌ كانوا قد أجمعوا على محاربة النبي ﷺ عقيب بدرٍ، وأرصدوا العير التي كان فيها أبو سفيان للنفقة على حربه، فلم يحتاجوا في ذلك إلى كلام ابن الأشرف.

نعم، مرثيته وتفضيله ربما زادهم غيظًا٢ ومحاربةً، لكن٣ سبُّه للنبي وهجاؤه له ولدينه أيضًا مما يهيجهم على المحاربة ويُغريهم به٤، فعُلِم٥

  1. (١) تصحَّف في الأصل إلى: «».
  2. (٢) رُسم في الأصل بالضاد.
  3. (٣) في الأصل: «إلى»، والتصحيح من «الصارم».
  4. (٤) في الأصل: «فيه»، ولعله تصحيف المثبت من «الصارم».
  5. (٥) في الأصل: «تعلم»، تصحيف.
501

أن الهجاء فيه من الفساد ما في غيره من الكلام١ وأبلغ، فإذا كان غيره من الكلام نقضًا فهو أن يكون نقضًا أولى. ولهذا قتل النبي ﷺ جماعةً من النسوة اللاتي كنَّ يشتمنه ويَهْجونه٢، مع عفوه عمَّن كانت تعين عليه وتحض على قتاله.

الوجه الثامن: أن كعب بن الأشرف لم يلحق بدار الحرب مستوطنًا، ولهذا قدم المدينة وهي وطنه. والذمي إذا سافر إلى دار الحرب ثم رجع إلى وطنه لم ينتقض عهده. ولهذا لم يأمر النبي ﷺ بقتل حُيَي بن أخطب وكان قد سافر معه إلى مكة.

الوجه التاسع: أن ما ذكروه حجةٌ لنا، وذلك أنه قد اشتهر عند أهل العلم من وجوهٍ كثيرةٍ: أن قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ اَلْكِتَابِ﴾ نزلت في كعب بن الأشرف لِما قاله لقريشٍ. وقد أخبر الله سبحانه أنه لعنه ومن لعنه فلن تجد له نصيرًا. وذلك دليل على أنه لا عهد له، فلو كان له عهدٌ لكان يجب نصره على المسلمين، فعلم أن مثل هذا الكلام يوجب انتقاض عهده وعدم ناصره، فكيف بما هو أغلظ منه من شتمٍ وسبٍّ؟

وإنما لم يجعله النبي ﷺ ــ والله أعلم ــ بمجرد ذلك ناقضًا للعهد لأنه لم

  1. (١) في الأصل: «كلام»، والمثبت من «الصارم»
  2. (٢) في الأصل: «يَهْجِينه» على لحن العامَّة، يقولون: «يدعون» للذكور، و«يدعين» للإناث! وهو على الصواب في «الصارم».
    وجماعة النسوة اللاتي أمر النبي ﷺ بقتلهن: قَينتان لابن خطل كانتا تغنيان بهجاء رسول الله ﷺ، وسارة مولاة لبعض بني عبد المطلب. انظر: «سيرة ابن هشام» (٢/ ٤١٠) و«زاد المعاد» (٣/ ٥٠١ - ٥٠٢) بتخريجي.
502

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي