أحكام أهل الذمة

وقال ﷺ: «إذا أَمِنَك الرجل على دمه فلا تقتُلْه». رواه ابن ماجه١.

وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «الإيمان قيد الفتك، لا يفتك٢ مؤمنٌ». رواه أهل «السنن»٣.

وقد زعم الخطابي٤ أنهم إنما فتكوا به لأنه كان قد خلع الأمان ونقض العهد قبل هذا. وزعم أن مثل هذا جائزٌ من الكافر الذي لا عهدَ له، كما جاز البيات والإغارة عليهم في أوقات الغِرَّة.

لكن يقال: فهذا الكلام الذي كلَّموه به صار مستأمنًا، وأدنى أحواله٥

  1. (١) رقم (٢٦٨٩) من حديث سليمان بن صُرَد. وأخرجه أيضًا أحمد (٢٧٢٠٧) وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» (٣٣٦٥). وفي إسناده أبو ليلى الحارثي وهو واه، وشيخه أبو عكاشة الكوفي وهو مجهول. وانظر: «الضعيفة» (٢٢٠١).
  2. (٢) في الأصل والمطبوع: «يقتل»!
  3. (٣) أخرجه أبو داود (٢٧٦٩) وابن أبي شيبة (٣٨٥٩٠) والحاكم (٤/ ٣٥٢) من حديث إسماعيل بن عبد الرحمن السُّدِّي عن أبيه عن أبي هريرة. في إسناده لين لجهالة حال عبد الرحمن السدي، ولكن له شاهدان يعتضد ويتقوَّى بهما. الأول من حديث الحسن عن الزبير بن العوَّام عند أحمد (١٤٢٦، ١٤٣٣) وابن أبي شيبة (٣٨٥٩١) وابن أبي عمر في «مسنده» (إتحاف الخيرة: ١٠٨) وغيرهم، رجاله ثقات إلا أن رواية الحسن عن الزبير مرسلة. والثاني من حديث معاوية بن أبي سفيان عند أحمد (١٦٨٣٢) والطبراني في الكبير (١٩/ ٣١٩) والحاكم (٤/ ٣٥٣) بإسناد فيه علي بن زيد بن جُدعان، وحديثه حسن في الشواهد.
  4. (٤) في «معالم السنن» (٤/ ٨١ - ٨٣) في الكلام على قصة قتل كعب وحديث «الإيمان قيد الفتك». والمؤلف صادر عن «الصارم» (٢/ ١٨١).
  5. (٥) في الأصل: «أقواله»، تصحيف.
504

أن تكون له شبهةُ أمانٍ. ومثل ذلك لا يجوز قتله لمجرد الكفر، فإن الأمان يعصم دم الحربي، ويصير مستأمنًا بأقل من هذا كما هو معروفٌ في مواضعه. وإنما قتلوه لأجل هجائه وأذى الله ورسوله.

ومن حلَّ قتله بهذا الوجه لم يعصم دمه بأمانٍ ولا بعهدٍ، كما لو آمن١ المسلمُ من وجب قتلُه لأجل قطع الطريق ومحاربة الله ورسوله والسعي في الأرض بالفساد المُوجِبِ للقتل، أو من وجب قتله لأجل زناه، أو آمن من وجب قتله لأجل الردة، أو لأجل ترك أركان الإسلام، ونحو ذلك. ولا يجوز أن يعقد [له] عهدٌ، سواءٌ كان عقدَ أمانٍ أو عقد هدنةٍ أو عقد ذمةٍ، لأن قتله حدٌّ من الحدود، ليس قتله لمجرد كونه كافرًا حربيًّا كما سنذكره.

أما الإغارة والبيات فليس هناك قول ولا فعلٌ٢ صاروا به آمنين، ولا اعتقدوا أنهم قد أُومِنوا، بخلاف قصة كعب بن الأشرف، فثبت أن أذى الله ورسوله بالهجاء ونحوه لا يُحقَن معه الدم بالأمان، فلأن لا يحقن معه بالذمة المؤبدة والهدنة الموقتة بطريق الأولى، فإن الأمان يجوز عقده لكل كافرٍ ويعقده كلُّ مسلم، ولا يشترط على المستأمن شيء من الشروط، والذمةُ لا يعقدها إلا الإمام أو نائبه، ولا يعقد إلا بشروطٍ كثيرةٍ تُشترط على أهل الذمة من التزام الصغار ونحوه.

فإن قيل: كعب بن الأشرف سبَّ النبي ﷺ بالهجاء والشعر، وهو كلامٌ موزونٌ يُحفَظ ويروى، ويُنشد بالأصوات والألحان، ويشتهر بين الناس،

  1. (١) في الأصل: «من»، تصحيف.
  2. (٢) في الأصل: «قولا».
505

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي