أحكام أهل الذمة

كان مخالفًا للسنة الصحيحة الصريحة خلافًا لا عذر فيه لأحدٍ.

الوجه الثاني: لا ريب أن الجنس الموجِب للعقوبة قد يتغلَّظ بعضُ أنواعه صفةً أو قدرًا، أو صفةً وقدرًا، فإنه ليس قتلُ واحدٍ من الناس مثلَ قتل والدٍ وعالمٍ وصالحٍ، ولا ظلمُ بعض الناس مثلَ ظلم يتيمٍ فقيرٍ بين أبوين صالحين، وليست الجناية في الأوقات والأماكن والأحوال المُشرَّفة كالحرم والإحرام والشهر الحرام كالجناية في غير ذلك. وكذلك مضت سنة الخلفاء الراشدين بتغليظ الدية إذا تغلَّظ القتل بأحد هذه الأسباب١.

وقال النبي ﷺ، وقد قيل له: أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندًا وهو خلقك». قيل له: ثم أي؟ قال: «أن تقتل ولدك خيفة أن يطعم معك». قيل له: ثم أي؟ قال: «أن تُزاني حليلة جارك»٢.

ولا شك أن من قطع الطريق مراتٍ متعددةً، وسفك دم خلقٍ من المسلمين، وكثُر منه أخذ الأموال= كان جرمه أعظم من جرم من لم يتكرر منه ذلك.

ولا ريب أن مَن أكثر مِن سبِّ النبي ﷺ أو نظم القصائد في سبِّه، فإن جرمه أعظمُ من جرم من سبَّه بالكلمة الواحدة المنثورة، بحيث يجب أن

  1. (١) انظر: «مصنف عبد الرزاق» (كتاب العقول/ باب التغليظ)، و«الأوسط» لابن المنذر (كتاب الديات/باب ذكر تغليظ الدية على من قتل في الحرم أو في الشهر الحرام أو قتل مُحرِمًا)، و«سنن البيهقي» (كتاب الديات/باب ما جاء في تغليظ الدية في قتل الخطإ في الشهر الحرام والبلد الحرام وقتل ذي الرحم).
  2. (٢) أخرجه البخاري (٤٤٧٧) ومسلم (٨٦) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.
507

تكون إقامة الحد عليه أوكد، والانتصار منه لرسول الله ﷺ أوجب، ولو كان المُقِلُّ أهلًا أن يُعفى عنه لم يكن هذا أهلًا لذلك.

لكن هذه الأدلة تدل على أن جنسَ الأذى لله ورسوله ومطلقَ السب الظاهرِ مُهدِرٌ لدم الذميِّ ناقضٌ لعهده من وجوهٍ:

أحدها: أن النبي ﷺ قال: «مَن لكعب بن الأشرف؟ فإنه قد آذى الله ورسوله»١. وذلك٢ اسمٌ مطلقٌ ليس مقيدًا بنوع ولا قدرٍ ولا تكرارٍ، ومعلومٌ أن قليلَ السبِّ وكثيرَه ومنظومَه ومنثورَه أذًى لله بلا ريبٍ.

الوجه الثاني: أنه لو أراد التكرار والمبالغة لأتى بالاسم المفهم لذلك فقال: فإنه قد بالغ في أذى الله ورسوله، أو تكرَّر منه، ونحو ذلك، وقد أوتي جوامع الكلم، وهو المعصوم في غضبه ورضاه.

الوجه الثالث: قوله في الحديث الآخر: «إنه نال منا الأذى وهجانا بالشعر، ولا يفعل هذا أحدٌ منكم إلا كان السيف»٣، ولم يقيد ذلك بتكرارٍ بل علَّقه بمجرد الفعل.

الوجه الرابع: أن كعبًا آذاه بكلامه المنظوم، واليهودية بكلامها المنثور، وكلاهما أهدر دمه، فعلم أن النظم ليس له تأثيرٌ في هذا الحكم، والحكم إذا ثبت بدون الوصف كان عديم التأثير، فلا يجوز أن يجعل جزءًا٤ من العلة.

  1. (١) تقدم تخريجه قريبًا.
  2. (٢) أي: الأذى لله ورسوله.
  3. (٣) تقدم تخريجه قريبًا.
  4. (٤) في الأصل: «»، تصحيف.
508

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي