أحكام أهل الذمة

مراتٍ عند من يرى أنها تُرجَم بلعان الزوج ونكولها؛ فإن المبيح للدم ليس هو الإقرارَ ولا الأيمان، وإنما المبيح فعل الزنا وفعل القتل، وإنما الإقرار والأيمان حجةٌ [وَ] دليلٌ على ثبوت ذلك.

ونحن لم ننازع في أن الحجج الشرعية لها نُصُبٌ محدودةٌ، وإنما قلنا: إن نفس القول أو العمل المبيح للدم لا نصاب له في الشرع، وإنما الحكم معلَّقٌ بجنسه١.

الوجه الثامن: أن القتل عند كثرة هذه الأشياء إما أن يكون حدًّا يجب فعلُه، أو تعزيرًا يرجع إلى رأي الإمام، فإن كان الأول فلا بدَّ من تحديد موجِبه، ولا حدَّ له إلا تعليقه بالجنس، والقول بما سوى ذلك تحكُّمٌ.

وإن كان الثاني، فليس في الأصول تعزيرٌ بالقتل، فلا يجوز إثباته إلا بدليل يختصُّه٢. والعمومات الواردة في ذلك مثل قوله: «لا يحل دم امرئٍ مسلم إلا بإحدى ثلاثٍ» تدل على ذلك أيضًا.

فصل

قال شيخنا٣: وقد عرض لبعض السفهاء شبهةٌ في قتل ابن الأشرف

  1. (١) في الأصل: «تحته»!
  2. (٢) قد يقال: بلى، إن في أصول الشرع تعزيرًا بالقتل إذا أكثرَ الفاعلُ مِن بعض الأفعال المحرَّمة، وهو ما قرَّره المؤلف في توجيه ما رُوي من الأمر بالقتل لمن سرق مرارًا أو سكر مرارًا. انظر: «تهذيب السنن» (٣/ ١٠٠ - ١٠٤) و«الطرق الحكمية» (١/ ٣٥).
  3. (٣) «الصارم» (١/ ١٨٢).
511

فظنَّ أن دم مثل هذا معصومٌ بذمةٍ متقدمةٍ١ أو بظاهر الأمان، وذلك نظير الشبهة التي عرضت لبعض الفقهاء حين ظنَّ أن العهد لا ينتقض بذاك.

فروى ابن وهبٍ: أخبرني سفيان بن عيينة، عن عمر بن سعيد أخي سفيان بن سعيد الثوري، عن أبيه، عن عباية قال: ذُكِر قتل ابن الأشرف عند معاوية، فقال ابن يامين: كان قتله غدرًا، فقال محمد بن مسلمة: يا معاوية أيُغدَّرُ عندك رسولُ الله ﷺ ولا تنكر؟! والله لا يظلني وإياك سقف بيت أبدًا! ولا يخلو لي دمُ هذا إلا قتلتُه!٢

قال الواقدي٣: حدثني إبراهيم بن جعفرٍ، عن أبيه قال: قال مروان بن الحكم ــ وهو على المدينة ــ وعنده ابن يامين النَّضَري٤: كيف كان قتل ابن الأشرف؟ فقال ابن يامين: كان غدرًا، ومحمد بن مسلمة جالسٌ وهو شيخٌ كبيرٌ، فقال يا مروان: أيُغَدَّر رسول الله ﷺ عندك؟! والله ما قتلناه إلا بأمر رسول الله ﷺ، والله لا يؤويني وإياك سقف بيت إلا المسجد. وأما أنت يا ابنَ يامين فللّهِ عليَّ إن أفلتَّ ولا قدرتُ٥ عليك، وفي يدي سيفٌ إلا ضربتُ

  1. (١) «متقدمة» سقطت من المطبوع.
  2. (٢) أخرجه الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» عقب (٢٠٠) والبيهقي في «دلائل النبوة» (٣/ ١٩٣) من طريق ابن وهب به. وأخرجه أبو القاسم البغوي في «معجم الصحابة» (٧) ــ ومن طريقه ابن عساكر في «التاريخ» (٥٥/ ٢٧٥) ــ من طريقين آخرين عن ابن عيينة به.
  3. (٣) في «مغازيه» (١/ ١٩٢) ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٥٥/ ٢٧٥).
  4. (٤) في الأصل: «النظري»، تصحيف. النَّضَري ــ ويقال: النضيري ــ نسبة إلى بني النضير.
  5. (٥) كذا في الأصل، وكذا في عامَّة نسخ «الصارم» الخطية وبعض نسخ «مغازي الواقدي» (كما نبَّه عليه محققو الكتابين)، ولكن في مطبوعات الكتب الثلاثة حُذِفت «لا» ظنًّا أنه خطأ وتحريف. وليس كذلك فالمراد: لله عليَّ إن أفلتَّ مني الآن ولم أقدر عليك، ثم صادفتك فيما بعدُ وفي يدي سيف إلا ضربتُ به رأسك.
512

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي