به رأسك. فكان ابن يامين لا ينزل من١ بني قريظة حتى يبعث رسولًا ينظر محمد بن مسلمة، فإن كان في بعض ضياعه نزل فقضى حاجته، وإلا لم ينزل، فبينما محمد في جنازةٍ وابنُ يامين بالبقيع فرأى محمدٌّ نعشًا عليه جرائدُ رطبةٌ لامرأةٍ، جاء فحلَّه٢، فقام إليه الناس فقالوا: يا أبا عبد الرحمن ما تصنع؟ نحن نكفيك! فقام إليه فجعل يضربه بها جريدةً جريدةً حتى كسَّر ذلك الجريد على وجهه ورأسه، حتى لم يترك به مَصَحًّا٣،
ثم أرسله ولا طَباخَ به٤، ثم قال: والله لو قدرت على السيف لضربتُك به.
قلت: ونظير هذا ما حصل لبعض الجهال بالسُّنَّة من بنائه ﷺ بصفية عقيب سبائه لها، فقال: بنى بها قبل استبرائها. وهذا من جهله وكفره، أو من أحدهما، فإن في «الصحيح»٥: فلما انقضت عدَّتُها بنى بها.
(١) كذا في الأصل و«الصارم»، وهو الصواب. وفي مطبوعة «المغازي»: «في» خطأ يغيِّر المعنى ويفسده.
(٢) ظنَّ صبحي الصالح أن بالعبارة تصحيفًا فغيَّرها إلى: «فرأى محمدًا يغشى عليه جرائد، يظنُّه لا يراه، فعاجله»!
(٣) أي مكانًا صحيحًا في جسمه ..
(٤) أي: لا قوَّة به. انظر: «الصحاح» (١/ ٤٢٧).
(٥) «صحيح مسلم» (١٣٦٥/ ٨٧).
فإن قيل: فإذا كان هو وبنو النضير قبيلته موادعين فما معنى ما ذكره ابن إسحاق١، قال: حدثني مولًى لزيد بن ثابتٍ قال: حدثتني ابنةُ محيِّصةَ عن أبيها مُحَيِّصة أن رسول الله ﷺ قال عقيب ذلك: «من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه»، فوثب محيصةُ بن مسعودٍ على ابن سُنينة٢ ــ رجل من تجار اليهود كان يلابسهم يبايعهم٣ ــ فقتله، وكان حُوَيِّصة بن مسعودٍ إذ ذاك لم يسلم، وكان أسنَّ مِن مُحيِّصة، فلما قتله جعل حُويِّصة يضربه، ويقول: أي عدو الله! قتلتَه؟! أما والله لرُبَّ شحمٍ في بطنك مِن ماله! فقال: والله لقد أمرني بقتله من لو أمرني بقتلك لقتلتُك! فقال حُويِّصة: واللهِ إن دِينًا بلغ منك هذا لعجبٌ؛ فكان هذا أول إسلام حُوَيِّصة.
وقال الواقدي٤ بالأسانيد المتقدمة: قالوا: فلما أصبح رسول الله ﷺ من الليلة التي قُتل فيها ابن الأشرف قال رسول الله ﷺ: «من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه»، فخافت يهود فلم يَطلُع عظيم٥ من عظمائهم، وخافوا أن يُبيَّتوا كما بُيِّت ابنُ الأشرف. وذكر قتل ابن سنينة إلى أن قال: وفزعت
(١) كما في «الدلائل» للبيهقي (٣/ ٢٠٠). وهو في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٥٨) عن ابن إسحاق معلَّقًا.
(٢) في الأصل: «شيبة»، تصحيف.
(٣) في المطبوع: «ويبايعهم» بزيادة واو العطف، وكذا في مطبوعة «الصارم» و«سيرة ابن هشام». والمثبت من الأصل موافق لما في نسختي الظاهرية (ق ٤٢) والمحمودية (ق ٣١) من «الصارم»، وكذا في «دلائل النبوة».