رسول الله، قال: "ولِمَ؟ "، قال نازعَتْنِي سيفي، فسكت.
وهذا كله كان قبل إرسال معاذٍ إلى اليمن.
فالصواب أن ذكر الحالمة في الحديث غير محفوظٍ، والله أعلم.
فصل١
فإن بذلت المرأة الجزيةَ أُخبِرتْ أنه لا جزية عليها، فإن قالت: "أنا أتبرَّعُ بها" قُبِل منها، ولم تكن جزيةً ولو شرطَتْه على نفسها، ولها الرجوع متى شاءت. وإن بَذلَتْ لتصير إلى دار الإسلام ولا تُسترقَّ مُكِّنَتْ من ذلك بغير شيء، ولكن يُشترط عليها التزامُ أحكام الإسلام، وتُعقَد لها الذمَّة، ولا يؤخذ منها شيء، إلا أن تتبرَّع به بعد معرفتها أنه لا شيء عليها.
وإن أُخِذ منها شيء على غير ذلك رُدَّ إليها، لأنها بذلَتْه معتقدةً أنه عليها وأن دمها لا يُحقَن إلا به، فأشبهَ من أدَّى مالًا إلى من يعتقد أنه له، فتبيَّن أنه ليس له.
ولو حاصر المسلمون حِصنًا ليس فيه إلا نساءٌ فبذلن الجزيةَ لِتُعقَد لهنَّ الذمة عُقِدتْ لهن بغير شيء، وحَرُمَ استرقاقهن. فإن كان معهنَّ في الحصن رجالٌ فسألوا الصلح لتكون الجزية على النساء والصبيان دون الرجال لم يصحَّ، وإن بذلوها عن الجميع جاز، وكان جزيةً على الرجال خاصةً.
(١) اعتمد المؤلف في هذا الفصل على "المغني" (١٣/ ٢١٦، ٢١٧).
فصل
فإذا بلغ الصبي من أهل الذمة، وأفاق المجنون لم يحتَجْ إلى تجديد عقدٍ وذمةٍ، بل العقد الأول يتناول البالغين ومن سيبلغ من أولادهم أبدًا. وعلى هذا استمرَّتْ سنة رسول الله ﷺ وسنة خلفائه كلِّهم وعملُ الأئمة١ في جميع الأعصار حتى يومنا هذا، لم يُفرِدوا كلَّ من بلغ بعقد جديدٍ.
وقال الشافعي٢: يخيَّر البالغ والمُفِيق بين التزام العقد وبين أن يُردَّ إلى مأمنِه، فإن اختار الذمةَ عُقِدت له، وإن اختار اللَّحاقَ بمأمنِه أُجيبَ إليه.
وقال القاضي في "الأحكام السلطانية"٣: وقول الجمهور أصحُّ وأولى، فإنه لم يأتِ عن النبي ﷺ ولا عن أحد خلفائه تجديدُ العقد لهؤلاء، ولا يُعرَف أنه عُمِل به في وقتٍ من الأوقات، ولا يُهمِل الأئمة مثلَ هذا الأمر لو كان مشروعًا. ولأنهم دخلوا في العقد تبعًا مع أوليائهم كما كانوا يدخلون في عقد الهدنة تبعًا. ولأنه عقدٌ مع الكفار فلم يحتَجْ إلى استئنافه لهؤلاء كعقد [المؤمنين]٤. وكيف يجوز إلحاقُه بمأمنِه وتسليطُه على محاربتنا بماله ونفسه؟ وأيُّ مصلحةٍ للإسلام في هذا؟ وأيُّ سنةٍ جاءت به؟ وأيُّ إمامٍ عمِلَ به؟
(١) "وعمل الأئمة" ساقطة من المطبوع.
(٢) انظر: "المغني" (١٣/ ٢١٧).
(٣) لم أجده فيه، فلعله في كتاب آخر له. واعتمد المؤلف على "المغني" في هاتين الفقرتين.