يكن عليهم جزيةٌ كالنساء والصبيان، وقد قال أحمد في رواية عنه١: من أطبق بابَه على نفسه ولم يُقاتِل لم يُقتَل، ولا جزيةَ عليه.
فصل
فأما الرُّهبان فإن خالطوا الناسَ في مساكنهم ومعايشهم فعليهم الجزية باتفاق المسلمين، وهم أولى بها من عوامّهم فإنهم رؤوس الكفر، وهم بمنزلة علمائهم وشَمامِسَتِهم٢. وإن انقطعوا في الصوامع والدِّيارات لم يخالطوا الناسَ في معايشهم ومساكنهم، فهل تجب عليهم الجزية؟ فيه قولان للفقهاء، وهما روايتان عن الإمام أحمد.
أشهرهما: لا تجب عليه، وهو قول محمد.
والثانية: تجب عليه، وهو قول أبي حنيفة إن كان معتملًا٣. وقال أحمد٤: تؤخذ من الشمَّاس والراهب وكل من أنبتَ. وهو ظاهر قول الشافعي، وعليه يدلُّ ظاهر عموم القرآن والسنة.
ومن لم يَرَ وجوبها احتجَّ بأنه ليس من أهل القتال. وقد أوصى الصدّيق
(١) لم أجدها فيما بين يديّ من مصادر.
(٢) انظر: "مجموع الفتاوى" (٢٨/ ٦٦٠). والشمامسة جمع شمَّاس: من يقوم بالخدمة الكنسية، ومرتبته دون القسّيس.
(٣) في الأصل: "معتمل". انظر: "فتح القدير" لابن الهمام (٦/ ٥٢)، و"حاشية ابن عابدين" (٤/ ١٩٩).
(٤) لم أجد هذه الرواية فيما بين يديّ من المصادر.
﵁ بأن لا يُتعرَّض لهم، فقال في وصيته ليزيد بن أبي سفيان حين وجَّهه إلى الشام: "لا تَقتُلْ صبيًّا ولا امرأةً ولا هَرِمًا، وستمرُّون على أقوامٍ في الصَّوامع احتبسوا أنفسَهم فيها، فدَعْهم حتى يُميتَهم الله على ضلالتهم، وستجدون أقوامًا فَحَصَوا عن أوساط رؤوسهم فاضرِبْ ما فَحَصوا عنه بالسيف"١.
فصل
فإن ترهَّب بعد ضرب الجزية عليه وتركَ مخالطة الناس، فهل تسقط الجزية عنه بذلك؟ فلم أر لأصحابنا فيها كلامًا، فيحتمل أن يقال: لا تسقط عنه، وهو الذي ذكره مالك٢؛ لأن ترهُّبه ليس بعذرٍ له في إسقاط ما وجب عليه. قالوا: ولأنه يمكن أن يكون ترهُّبه لتسقط الجزية عنه.
واحتمل أن يقال بسقوطها، فإنه مانعٌ لو قارن العقد منع الجزية، فأشبه العجزَ والجنونَ والصِّغر.
(١) هذه الوصية رويت مطولة ومختصرةً من طرق عديدة، عامَّتها مراسيل إذ لم يُدرك رواتها أبا بكر، ولكنها تعضد بعضها بعضًا فتجعل أصل الوصية ثابتة. فمن تلك المراسيل: مرسل يحيى بن سعيد الأنصاري عند مالك في "الموطأ" (١٢٩٢) ــ ومن طريقه البيهقي في "الكبير" (٩/ ٨٩) ــ وعبد الرزاق (٩٣٧٥) وابن أبي شيبة (٣٣٧٩٣)، ومرسل الزهري عند عبد الرزاق (٩٣٧٧)، ومرسل صالح بن كيسان عند البيهقي (٩/ ٩٠)، ومرسل أبي عمران الجوني عند عبد الرزاق (٩٣٧٨)، ومرسل عبد الله بن عُبيدة الربذي عند سعيد بن منصور (٢٣٨٣).