أحكام أهل الذمة

﵁ بأن لا يُتعرَّض لهم، فقال في وصيته ليزيد بن أبي سفيان حين وجَّهه إلى الشام: "لا تَقتُلْ صبيًّا ولا امرأةً ولا هَرِمًا، وستمرُّون على أقوامٍ في الصَّوامع احتبسوا أنفسَهم فيها، فدَعْهم حتى يُميتَهم الله على ضلالتهم، وستجدون أقوامًا فَحَصَوا عن أوساط رؤوسهم فاضرِبْ ما فَحَصوا عنه بالسيف"١.

فصل

فإن ترهَّب بعد ضرب الجزية عليه وتركَ مخالطة الناس، فهل تسقط الجزية عنه بذلك؟ فلم أر لأصحابنا فيها كلامًا، فيحتمل أن يقال: لا تسقط عنه، وهو الذي ذكره مالك٢؛ لأن ترهُّبه ليس بعذرٍ له في إسقاط ما وجب عليه. قالوا: ولأنه يمكن أن يكون ترهُّبه لتسقط الجزية عنه.

واحتمل أن يقال بسقوطها، فإنه مانعٌ لو قارن العقد منع الجزية، فأشبه العجزَ والجنونَ والصِّغر.

  1. (١) هذه الوصية رويت مطولة ومختصرةً من طرق عديدة، عامَّتها مراسيل إذ لم يُدرك رواتها أبا بكر، ولكنها تعضد بعضها بعضًا فتجعل أصل الوصية ثابتة. فمن تلك المراسيل: مرسل يحيى بن سعيد الأنصاري عند مالك في "الموطأ" (١٢٩٢) ــ ومن طريقه البيهقي في "الكبير" (٩/ ٨٩) ــ وعبد الرزاق (٩٣٧٥) وابن أبي شيبة (٣٣٧٩٣)، ومرسل الزهري عند عبد الرزاق (٩٣٧٧)، ومرسل صالح بن كيسان عند البيهقي (٩/ ٩٠)، ومرسل أبي عمران الجوني عند عبد الرزاق (٩٣٧٨)، ومرسل عبد الله بن عُبيدة الربذي عند سعيد بن منصور (٢٣٨٣).
  2. (٢) انظر: "عقد الجواهر الثمينة" (١/ ٤٨٦).
73

فصل

وأما الفلَّاحون الذين لا يقاتلون والحرَّاثون فظاهر كلام الأصحاب أن تؤخذ منهم الجزية؛ لأنهم لم يستثنوهم مع من استُثْنِي، وظاهر كلام أحمد أنه لا جزيةَ عليهم فإنه قال: من أطبقَ بابه على نفسه ولم يُقاتِل لم يُقتَل، ولا جزيةَ عليه.

وقال في "المغني"١: فأما الفلاح الذي لا يقاتل فينبغي أن لا يُقتَل، لما رُوي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: اتقوا الله في الفلَّاحين الذين لا يَنْصِبون لكم في الحرب٢. وقال الأوزاعي: لا يُقتَل الحرَّاث إذا عُلِم أنه ليس من المقاتلة. وقال الشافعي: يُقتَل إلّا أن يؤدِّي الجزيةَ، لدخوله في عموم المشركين. ولنا٣ قول عمر، وأن أصحاب النبي ﷺ لم يقتلوهم حين فتحوا البلاد؛ ولأنهم لا يقاتلون فأَشْبَهوا الشيوخَ والرهبان. انتهى كلامه.

وظاهره أنه لا جزيةَ عليهم.

فصل

وأهل خيبر وغيرهم من اليهود في الذمة والجزية سواءٌ، لا يُعلم نزاعٌ بين الفقهاء في ذلك.

  1. (١) (١٣/ ١٨٠).
  2. (٢) أخرجه سعيد بن منصور في "سننه" (٣: ٢/ ٢٣٩)، والبيهقي (٩/ ٩١).
  3. (٣) في الأصل والمطبوع: "وأما". والتصويب من "المغني".
74

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي