أحكام أهل الذمة

فصل

وأما الفلَّاحون الذين لا يقاتلون والحرَّاثون فظاهر كلام الأصحاب أن تؤخذ منهم الجزية؛ لأنهم لم يستثنوهم مع من استُثْنِي، وظاهر كلام أحمد أنه لا جزيةَ عليهم فإنه قال: من أطبقَ بابه على نفسه ولم يُقاتِل لم يُقتَل، ولا جزيةَ عليه.

وقال في "المغني"١: فأما الفلاح الذي لا يقاتل فينبغي أن لا يُقتَل، لما رُوي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: اتقوا الله في الفلَّاحين الذين لا يَنْصِبون لكم في الحرب٢. وقال الأوزاعي: لا يُقتَل الحرَّاث إذا عُلِم أنه ليس من المقاتلة. وقال الشافعي: يُقتَل إلّا أن يؤدِّي الجزيةَ، لدخوله في عموم المشركين. ولنا٣ قول عمر، وأن أصحاب النبي ﷺ لم يقتلوهم حين فتحوا البلاد؛ ولأنهم لا يقاتلون فأَشْبَهوا الشيوخَ والرهبان. انتهى كلامه.

وظاهره أنه لا جزيةَ عليهم.

فصل

وأهل خيبر وغيرهم من اليهود في الذمة والجزية سواءٌ، لا يُعلم نزاعٌ بين الفقهاء في ذلك.

  1. (١) (١٣/ ١٨٠).
  2. (٢) أخرجه سعيد بن منصور في "سننه" (٣: ٢/ ٢٣٩)، والبيهقي (٩/ ٩١).
  3. (٣) في الأصل والمطبوع: "وأما". والتصويب من "المغني".
74

ورأيت لشيخنا في ذلك فصلًا نقلتُه من خطه بلفظه، قال١: والكتاب الذي بأيدي الخَيابرة الذي يدَّعون أنه بخط علي في إسقاط الجزية عنهم باطلٌ، وقد ذكر ذلك الفقهاء من أصحابنا وأصحاب الشافعي وغيرهم، كأبي العباس بن سُرَيج٢ والقاضي أبي يعلى والقاضي الماوردي وأبي محمد المقدسي وغيرهم، وذكر الماوردي٣ أنه إجماعٌ. وصدَق.

قال: هذا الحكم ثابتٌ بالكتاب والسنة والإجماع، ثابتٌ بالعموم لفظًا ومعنى، وهو عمومٌ منقول بالتواتر لم يخصَّه أحدٌ من علماء الإسلام، ولا دليلٌ من أدلَّة٤ الشرع، فيمتنع تخصيصه بما لا تُعرف صحته، ولا وجد أيضًا في الشريعة [معنًى] للتخصيص، فإن الواحد من المسلمين ــ مثل أبي بُردة بن نِيار٥ وسالمٍ [مولى] أبي حذيفة٦ ــ إنما خُصَّ بحكمٍ لقيام معنًى

  1. (١) نقل البعلي بعضَه في "الأخبار العلمية من الاختيارات الفقهية لابن تيمية" (ص ٤٥٧، ٤٥٨). وانظر: "مجموع الفتاوى" (٢٨/ ٦٦٤).
  2. (٢) في المطبوع: "شريح"، تحريف.
  3. (٣) قال في "الأحكام السلطانية" (ص ٢٢٣): "ويهود خيبر وغيرهم في الجزية سواء بإجماع الفقهاء". وكذا في "الأحكام السلطانية" لأبي يعلى (ص ١٥٤).
  4. (٤) في الأصل: "شيء أوله" تحريف.
  5. (٥) في المطبوع: "دينار"، تحريف. خصَّه النبي ﷺ بأنه تَجزي عنه جذعة في الأضحية وقال: "ولن تَجزي عن أحدٍ بعدك"، وذلك لأنه تعجَّل الذبح قبل الصلاة، ولم يبقَ له شيء يذبحه بعد الصلاة غير جذعة من المعز. أخرجه البخاري (٩٥٥) ومسلم (١٩٦١) من حديث البراء.
  6. (٦) وذلك حين أمر النبي ﷺ امرأة أبي حذيفة سهلة بنت سهيل أن تُرضعه بعد ما قد بلغ مبلغ الرجال، لتَحْرُم عليه، وكان قد تبنَّاه أبو حذيفة، فكان يدخل عليها قبل نزول آيات الأحزاب في النهي عن التبنِّي. أخرجه البخاري (٤٠٠٠) ومسلم (١٤٥٣) من حديث عائشة. ورأت عامَّة أزواج النبي ﷺ عدا عائشة أن رضاع الكبير كانت رخصة أرخصها النبي ﷺ لسالمٍ خاصَّة. أخرجه مسلم (١٤٥٤).
75

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي