قال أبو عبيد١: وقد رُوِي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه أفتى في مثل هذا بغير ما أفتى به في ذلك، وكذلك عمر بن عبد العزيز.
ثنا أبو الأسود المصري، حدثنا عبد الله بن لَهِيعة، عن عبد الله بن هُبيرة السَّبائي٢ أن عُتبة بن فَرْقَد بعث إلى عمر بن الخطاب ﵁ بأربعين ألفَ درهمٍ صدقة الخمر، فكتب إليه عمر: بعثتَ إليَّ بصدقة الخمر، وأنت أحقُّ بها من المهاجرين، وأخبرُ الناسِ بذلك، وقال: واللهِ لا أستعملك على شيءٍ بعدها، قال: فنزعه٣.
قال٤: وحدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن المثنَّى بن سعيد الضُّبَعي قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدِيّ بن أرطاة: أن ابعَثْ إليَّ بتفصيل الأموال التي قِبَلك من أين دخلَتْ؟ فكتب إليه بذلك وصنَّفه له، فكان فيما كتب إليه: مِن عُشْرِ الخمر أربعة آلاف درهمٍ. قال: فلبثنا ما شاء الله، ثم جاء جوابُ كتابه: إنك كتبتَ إليَّ تذكر من عشور الخمر أربعة آلاف درهمٍ. إن الخمر لا يَعْشُرها مسلم ولا يشتريها ولا يبيعها، فإذا أتاك كتابي هذا فاطلب الرجلَ فاردُدْها عليه، فهو أولى بما كان فيها. فطلب الرجل فرُدَّتْ عليه الأربعة الآلاف، وقال: أستغفر الله، إني لم أعلَمْ.
(١) "الأموال" (١/ ١١٠).
(٢) في المطبوع: "الشيباني" تحريف.
(٣) "الأموال" برقم (١٣٧). وفيه: "فتركه".
(٤) "الأموال" (١٣٨).
قال أبو عبيد: فهذا عندي الذي عليه العمل، وإن كان إبراهيم النخعي قد قال غير ذلك.
حدثنا يحيى بن سعيد القطّان وعبد الرحمن بن مهدي، كلاهما عن سفيان، عن حمادٍ، عن إبراهيم في الذمي يمرُّ بالخمر على العاشر، قال: يُضاعَف عليه العُشر١.
قال أبو عبيد: وكان أبو حنيفة يقول: إذا مرَّ على العاشر بالخمر والخنازير، عَشَرَ الخمرَ ولم يَعْشُر الخنازير. سمعتُ محمد بن الحسن يحدِّث بذلك عنه.
قال أبو عبيد: وقول الخليفتين عمر بن الخطاب ﵁ وعمر بن عبد العزيز ﵀ أولى بالاتباع، أن لا يكون على الخمر عُشْرٌ أيضًا، انتهى٢.
وهذا الفرق هو محضُ الفقه، فإنهم إذا تبايعوها فيما بينهم فقد تعاقدوا على ما يعتقدونه مالًا، فإذا أخذناه منهم أخذنا [ما] هو حلالٌ عندهم ــ وإن كنّا لا نعتقد أنه يحلُّ سببُه٣ ــ كما اكتسبوه بعقودٍ ومواريثَ أو أسبابٍ من هباتٍ ووصايا وغيرها [ممَّا] لا يجوز في شرعنا؛ فعاملُونا به أو قَضَونا إياه مما لنا عليهم= ساغ لنا أخذُه، وإن لم يُسوَّغ في شرعنا تلك الأسباب التي
(١) "الأموال" (١٣٩).
(٢) أي انتهى النقل من "الأموال" لأبي عبيد.
(٣) في الأصل والمطبوع: "لا يعتقدونه كل سنة"، تحريف.