قال مغيرة: فحُدِّثتُ أن عليًّا قال: إن تفرَّغتُ لبني تغلب ليكونَنَّ لي فيهم رأيٌ، لأقتلنَّ مقاتِلَتَهم ولأَسبِينَّ ذراريَّهم، فقد نقضوا العهد، وبرئتْ منهم الذمة حين نصَّروا أولادهم٢.
وحدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن شعبة، عن الحَكَم، عن إبراهيم، عن زياد بن حُدَيرٍ: أن عمر ﵁ أمره أن يأخذ من نصارى بني تغلب العُشر، ومن نصارى أهل الكتاب نصف العشر٣.
قال أبو عبيد: والحديث الأول ــ حديث داود بن كُردوسٍ وزُرعة ــ هو الذي عليه العمل: أن يكون عليهم الضِّعف مما على المسلمين، أَلَا تسمعه يقول: من كل عشرين درهمًا درهمٌ؟ وإنما يؤخذ من المسلمين إذا مرُّوا بأموالهم على العاشر: مِن كل أربعين درهمًا درهمٌ، فذلك ضِعف هذا، وهو المضاعف الذي اشترط عمر عليهم. وكذلك سائر أموالهم من المواشي
(١) "الأموال" (٧٤)، وعلَّقه البخاري في "تاريخه" (٤/ ٢١٢) عن النفيلي عن هشيم به. وخالف فيه مغيرة أبا إسحاق الشيباني في إسناده، فأسقط داود بن كردوس، وزاد زرعة بن النعمان، كما أنه أخطأ في اسم السفاح ــ وهو ابن مطر ــ فجعله ابن المثنَّى بن حارثة (كذا في تاريخ البخاري)، فأخشى أن يكون مغيرة ــ وهو ثقة مدلس ــ دلَّسه عن بعض الضعفاء.
(٢) سبق تخريجه وبيان وهيه، ولعل مغيرة سمعه من الكلبي ولذا أبهمه.
(٣) "الأموال" (٧٥)، وأخرجه أيضًا عبد الرزاق (١٩٤٠٠) عن عبد الله بن كثير عن شعبة به. وإسناده صحيح.
والأرضين يكون عليها في تأويل هذا الحديث الضِّعفُ أيضًا، فيكون في خمسٍ من الإبل شاتان، وفي العشر أربعُ شياهٍ، وكذلك الغنم والبقر. وعلى هذا الحَبُّ والثمار، فيكون ما سَقَتْه السماء فيه عُشرانِ وفيما سُقِي بالغَرْب عُشر. وفي حديث عمر ﵁: وشرطه عليهم أن يكون على أموال نسائهم وصبيانهم مثلُ ما على أموال رجالهم، وكذلك يقول أهل الحجاز. انتهى.
فهذا الذي فعله عمر ﵁ وافقه عليه جميع الصحابة والفقهاء بعدهم.
ويُروى عن عمر بن عبد العزيز أنه أبى عليهم إلا الجزية، وقال: لا والله إلا الجزية، وإلا فقد آذنتم بالحرب١.
ولعله رأى أن شوكتهم ضعفتْ، ولم يخَفْ منهم ما خاف عمر بن الخطاب ﵁، فإن عمر ﵁ كان بعدُ مشغولًا بقتال الكفار وفتح البلاد، فلم يأمن أن يلحقوا بعدوّه فيقوونهم عليه، وعمر٢ أمِنَ ذلك.
وأما علي بن أبي طالب ﵁ فقال: لئن بقيتُ لهم لأقتلنَّ مقاتِلتَهم
(١) ذكره ابن قدامة في "المغني" (١٣/ ٢٢٤) بهذا اللفظ، والمؤلف صادر عنه. وفي "المدونة" (٢/ ٢٨٣) عن ابن وهب عن ابن أبي ذئب أن عمر بن عبد العزيز قال لنصارى كلب وتغلب: لا نأخذ الصدقة منكم، وعليكم الجزية. فقالوا: أتجعلنا كالعبيد؟ قال: لا نأخذ منكم إلا الجزية. قال: فتوفي عمر وهم على ذلك.