أحكام أهل الذمة

وفي مصرفه روايتان١:

إحداهما: أنه مصرف الفيء، وهذا اختيار القاضي أبي يعلى٢، وهو الصحيح وهو مذهب الشافعي؛ لأنه مأخوذٌ من مشركٍ، وهو جزيةٌ باسم الصدقة.

والثانية: أن مصرفه مصرف الصدقة، وهي اختيار أبي الخطاب، لأنه معدولٌ به عن الجزية في الاسم والحكم والقدر، فيُعدَل بمصرفه عن مصرفها.

قال الشيخ أبو محمد المقدسي٣: والأول أقيس وأصح؛ لأن معنى الشيء أخصُّ به من اسمه، ولهذا لو سُمِّي رجلٌ أسدًا أو نَمِرًا أو أسودَ أو أحمرَ لم يَصِرْ له حكم المسمَّى بذلك.

قال: ولأنَّ هذا لو كان صدقةً على الحقيقة لجاز دفعها إلى فقراءِ من أُخِذتْ منهم، لقول النبي ﷺ: "أَعْلِمْهم أن عليهم صدقةً، تُؤخذ من أغنيائهم فَتُرَدُّ في فقرائهم"٤.

  1. (١) انظر: "المغني" (١٣/ ٢٢٥).
  2. (٢) في "الأحكام السلطانية" (ص ١٣٧).
  3. (٣) "المغني" (١٣/ ٢٢٥).
  4. (٤) أخرجه البخاري (١٣٩٥) ومسلم (١٩) عن ابن عباس في حديث إرسال معاذٍ إلى اليمن.
117

فصل١

فإن بذَلَ التغلبيُّ الجزية وتُحَطُّ عنه الصدقة فهل يقبل منه؟ فيه وجهان:

أحدهما: لا يقبل منه، لأن الصلح وقع على هذا، فلا يُغيَّر.

والثاني: يُقبل منه، لقوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ يُعْطُوا۟ ٱلْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩]، وهذا قد أعطى الجزية، ولأن الجزية هي الأصل والصدقة بدلٌ، فإذا بذل الأصل حرم قتله وقتالُه٢، ولأن الجزية هي الصَّغار والذُّل الذي أَنِفُوا منه، فترك لمصلحةٍ، فإذا زالت المصلحة وأقرُّوا به والتزموه قُبِل منهم. وهذا أرجح، والله أعلم.

وأما إن كان باذلُ الجزية منهم حربيًّا لم يدخل تحت الصلح فإنها تُقبل منه قولًا واحدًا، ولا يلزمه ما صالح عليه إخوانه. وإن أراد الإمام نقْضَ صلحهم وإلزامهم بالجزية لم يكن له ذلك؛ لأن عقد الذمة على التأبيد، وقد عقد معهم عمر بن الخطاب ﵁، فلم يكن لغيره نقضُه ما داموا على العهد.

فصل

وهذا الحكم يختصُّ ببني تغلب، نصَّ عليه أحمد.

  1. (١) انظر: "المغني" (١٣/ ٢٢٦).
  2. (٢) "وقتاله" ساقطة من المطبوع.
118

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي