فإن بذَلَ التغلبيُّ الجزية وتُحَطُّ عنه الصدقة فهل يقبل منه؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يقبل منه، لأن الصلح وقع على هذا، فلا يُغيَّر.
والثاني: يُقبل منه، لقوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ يُعْطُوا۟ ٱلْجِزْيَةَ﴾[التوبة: ٢٩]، وهذا قد أعطى الجزية، ولأن الجزية هي الأصل والصدقة بدلٌ، فإذا بذل الأصل حرم قتله وقتالُه٢، ولأن الجزية هي الصَّغار والذُّل الذي أَنِفُوا منه، فترك لمصلحةٍ، فإذا زالت المصلحة وأقرُّوا به والتزموه قُبِل منهم. وهذا أرجح، والله أعلم.
وأما إن كان باذلُ الجزية منهم حربيًّا لم يدخل تحت الصلح فإنها تُقبل منه قولًا واحدًا، ولا يلزمه ما صالح عليه إخوانه. وإن أراد الإمام نقْضَ صلحهم وإلزامهم بالجزية لم يكن له ذلك؛ لأن عقد الذمة على التأبيد، وقد عقد معهم عمر بن الخطاب ﵁، فلم يكن لغيره نقضُه ما داموا على العهد.
فصل
وهذا الحكم يختصُّ ببني تغلب، نصَّ عليه أحمد.
(١) انظر: "المغني" (١٣/ ٢٢٦).
(٢) "وقتاله" ساقطة من المطبوع.
وقال علي بن سعيد١: سمعت أحمد يقول: أهل الكتاب ليس عليهم في مواشيهم صدقةٌ ولا في أموالهم، إنما تُؤخذ منهم الجزية، إلا أن يكونوا صُولحوا على أن تؤخذ منهم، كما صنع عمر ﵁ بنصارى بني تغلب حين أضعفَ عليهم الصدقةَ في صلحه إياهم.
وقال صالح بن أحمد٢: قلت لأبي: هل على نساء أهل الذمة وصبيانهم ونخيلهم وكُرومِهم وزروعهم ومواشيهم صدقةٌ؟ قال: ليس عليهم فيها شيء إلا على نصارى بني تغلب.
وكذلك قال في رواية ابن منصورٍ٣.
وقال حرب بن إسماعيل٤: قلت لأحمد: فالذي٥ تكون له الغنم أو الإبل هل تؤخذ منهم؟ قال: كيف تؤخذ منهم؟! إلا نصارى بني تغلب فإنها تُضاعَف عليهم. قال: وكذلك قال قومٌ في أرضهم: تُضاعَف عليهم، أُراه قال: إن اشتروا من المسلمين.
وقال الميموني٦: قرأت على أبي عبد الله هل على أهل الذمة صدقةٌ